الحسن بلعربي*
تغربوا عن أهاليهم ووطنهم ولم يكن مبغاهم السياحة والترفيه عن النفس، فلم يقصدوا “ماربيا” ولا “شاطئ الآزور” ولا “جزيرة بورا بورا” بل كانت وجهتهم مناجم الفحم في فرنسا ومصانع السيارات في ألمانيا وحقول الخضروات جنوب إسبانيا؛ هم الجيل الأول، جيل السواعد، الذي ضحى بالغالي والنفيس للأجل غد أفضل وأكرم للأجيال التي تلته.
حين برزت الأجيال ما بعد الأول، وماسمي با “ذو الأصول المغربية” او بـ”مغاربة العالم” في فرنسا، بلجيكا، هولاند، وفي بقاع أخرى، سطعت أسماء لامعة في سماء هذه الدول، فمن أصبح وزيرا ومن منهم امتهن التطبيب، ومن سطع نجمه في عالم الفن، ومن تقلد مراكز مهمة في مؤسسات وشركات كبرى.
تفاخرنا بهؤلاء وسعدنا، وكيف لا وهم من أصول مغربية؛ منهم من ولدوا في المهجر ومنهم من ولدوا في المغرب ودرسوا في الدول التي إحتضنتهم حتى قوي عودهم.
هؤلاء، ذوو الإزدواجية الثقافية والهوياتية، الذين أصبحوا قدوة للكثير ممن هم على الدرب ماضون، لم يكونوا أبدا موضوع إهتمام الإعلام الأوروبي سوى لمسائلتهم عن مدى إخلاصهم للغرب.
منذ فترة برز آخرون وهم أقلية، نفذوا تفجيرات باريس في نوفمبر 2015، وتفجيرات بروكسيل في شهر مارس من هذه السنة، هؤلاء عاشوا وترعرعوا تحت سماء أوروبا، ركبوا الجريمة مع أن أسلافهم لم يعرفوا أبدا هذا التطرف والتشدد.
اليوم أصبحت أوروبا، بترسانتها الإعلامية، تركز على هؤلاء الذين أساءوا الى ذويهم قبل غيرهم، غافلين ذوي الأصول المغربية، من الجيل الأول، الذين بنوا أوروبا بسواعدهم، وأهملوا من أضاءوا سماء اروبا نجومية من الأجيال التالية، فأصبحت هناك أصوات في أروبا تربط الأصول المهاجرة بالتطرف الديني والعنف، حتى أصبح الكثير منهم يبرر ويزكي ما يروج له اليمين المتطرف في اوروبا وفي أماكن أخرى من المعمور.
ورأينا كيف حاول الحزب الإشتراكي الفرنسي تمرير قانون إسقاط الجنسية الفرنسية عن كل من ثبتت عليه جريمة الإرهاب، لكسب رضى من يعتقدون أن التشديد في قوانين العقوبات هو الحل لمعضلة الإرهاب، ضاربين عرض الحائط المقاربة الإجتماعية.
آن الأوان بأن تعترف أوروبا بأخطائها في سياساتها إتجاه التعددية الثقافية والهوياتية المكونة لمجتمعها، الخطأ هو سلك أسلوب النعامة والتستر وراء عيوب الغير، ثم إن الإرهاب لا يعترف بالحدود ولا يقف عند الأسلاك الشائكة ولا عند مراكز التفتيش.
المقاربة الأمنية بوحدها ليست قادرة على دحر هذه الآفة، الإرهاب ينتقل عبر الفكروالمعتقدات، فلذا يجب التصدي له بالفكر والثقافة وبدعم اللإنتاج الفكري، المؤيد للتعايش والسلم، وتبني فكر حوار الحضارات (روجي جارودي)، ورَكنِ المؤيد لنظرية صدام الحضارات (صامويل هنتغتون)، وقطع الطريق عن تجار الدماء.
إن المسؤولية تقع أيضا على عاتق المثقفين بصفة عامة، وذوي الأصول المهاجرة منهم بصفة خاصة (المزدوجين) لتوفرهم على المؤهلات الكافية للتواصل مع كل الأجيال، ولإنتاج الفكر بلغة دول الإقامة.
لدى هؤلاء القدرات الذهنية لصد التطرف الفكري، فالعالم في حاجة الى ثورة المثقف، ذلك المثقف الذي يعاني اليوم من مرض قصر النظر والرافض للنظر الى ما وراء عتبة منزله.
والسؤال الذي قد يطرح اليوم هو هل تكفي تلك الجهود التي تقوم بها الحكومة المغربية لحماية الملايين من مغاربة العالم الذين يعيشون إشكالية الهوية والإندماج، التطرف الديني و خطر صعود الأحزاب المعادية للمغاربة في بعض دول الإستقبال؟
للإجابة عن هذا السؤال من الضروري تقييم سياسة المغرب إتجاه هذه الشريحة من المغاربة التي يتجاوز تعدادهم خمسة ملايين.
بغض النظر عن الإعاقة التي تتخبط فيها بعض المؤسسات المسؤولة عن تسيير الهجرة وشؤون مغاربة المهجر، والمتجلية في ضعف التواصل لتنسيق الجهود بينها، هناك في البعض منها إحتكار كبير في القرار وشح في إنتاج أفكار جديدة تواكب التغيرات الكبيرة والحاصلة في شؤون مغاربة العالم.
منذ أيام قليلة إطلعنا عبر الصحف، كيف أن السيد الوزير المكلف بالجالية المغربية بالخارج، يشكو من تدخل وزراء أخرين في إختصاصات وزارته، بإستغلال بعض القنصليات من أجل عقد لقاءات حزبية مع الجالية المغربية بالخارج.
أنا لا أشك بتاتا في صحة مايشكو منه السيد الوزير لكنني أظن أن هذا الأمر ليس بالجديد، والسؤال المطروح لمذا إختار معالي الوزير هذه الظرفية الزمنية وخاصة أنه تفصلنا عن الإنتخابات البرلمانية شهور قليلة وأن العراك بين حزب الأحرار، الذي ينتمي له الوزير، وحزب العدالة والتنمية، التي ينتمي له الوزيرين المشتكى بهما، في ذروتها.
لذا قد نادينا كثيرا بوزارة جالية سيادية، قوية وفي مستوى عمق هموم وطموحات وتطلعات مغاربة العالم، يستوزرها من يكسب المهارات ولديه دراية واسعة في شؤون الهجرة المتعددة الأبعاد، ولديه أفكار وأراء في حلول مشاكل مغاربة العالم ، بعيدا عن أجندات الأحزاب وصراعاتها.
النقطة الأخرى التي تطرح اليوم بالتحديد، هي مسألة إقصاء المشاركة السياسية لمغاربة العالم. نعم، ومرة أخرى، تم إزاحة مغاربة العالم من الساحة السياسية المغربية، مرة أخرى تُقصي الحكومة الحالية مغاربة المهجر من حقهم الدستوري في التصويت والترشح في الإنتخابات القادمة.
هذه المسألة تؤرق الكثير من مغاربة العالم، لأن مشاركتهم السياسية داخل وطنهم الأم هي نوع من الإنصاف لهم وأيضا دعم لمسيرة الديمقراطية التي قد بدأها المغرب منذ سنوات عدة. التاريخ سَيذكرُهم بانهم أخلفوا وعدهم.
أعتقد أنه، لحفظ ماء الوجه، يجب على الحكومة الحالية أن تشرح للمغاربة أجمع أي نوع من المواطنة تريد لمغاربة المهجر؟
*أستاذ جامعي مغربي بإسبانيا

