زايو سيتي.نت سعيد قدوري
بعد سلسلة “مسلمون منسيون” والتي بثت على موقع زايوسيتي. نت خلال شهر رمضان للسنة الماضية، يقترح عليكم الموقع سلسلة جديدة تحت عنوان: “مدن إسلامية” تستمر بشكل يومي طيلة شهر رمضان، وفيها يتم التعريف بمدن من عالمنا الإسلامي، لها تاريخ وحضارة، غير أن هذا التاريخ يتم نسيانه. والبداية ستكون بمدينة بخارى أو مدينة الإمام البخاري.
بخارى هي إحدى مدن بلاد ما وراء النهر أو ما يعرف الآن باسم آسيا الوسطى، وبالتحديد في جمهورية أوزبكستان، حيث تعد أحد أكبر المراكز الاقتصادية الكبرى بها، بالإضافة لكونها مركز للدراسة والثقافة وعلوم الدين، وبخارى تشغل نحو 32% من مساحة جمهورية أوزبكستان، ويعيش فيه نحو 8.2% من سكانها.
مدينة بخارى إحدى المدن الإسلامية العريقة التي لها تاريخ حافل بالإنجازات على مر العصور، وتعد من أجمل مدن ما وراء النهر، كما أنها تمتاز بخضرتها؛ فيقال إنك إذا صعدت إلى قلعتها الشهيرة لن تر سوى الخضرة.
يقال أن أول من بنى بخارى هو القائد الإيراني سياوش بن الملك كيكاوس حين ترك أباه مغضبا، واتجه إلى ملك الترك أفراسياب فأكرم وفادته وزوجه من ابنته وأقطعه هذه الأرض التي تعرف اليوم ببخارى، فبنى بها مدينة، ثم انقلب عليه أفراسياب بسعي الوشاة وقتله، وكتبت فيه المراثي والتي لا تزال تردد في بخارى إلى اليوم.
كان أهل بخارى قبل الإسلام وثنيين لهم سوق تباع فيها الأصنام يقال لها “ماخ” وتقام مرة كل عام. وأكثر الروايات تتفق على أن أول من اجتاز النهر من المسلمين إلى جبال بخارى هو عبيد الله بن زياد والي الخليفة معاوية بن أبي سفيان (41 – 60هـ/ 687 – 706م) على خراسان سنة 54هـ/674م، وهو ابن خمس وعشرين سنة، فقطع النهر في أربعة وعشرين ألفا.
لم يتوطد الحكم العربي في بخارى إلا في خلافة الوليد بن عبد الملك (86- 96هـ) حينما ولى الحجاج بن يوسف الثقفي أمير العراقيين (75- 95هـ) قتيبة بن مسلم الباهلي خراسان (86- 96هـ) وأمره بفتح بلاد ما وراء النهر، ليتم فتحها سنة 90 هجرية، وظلت مسلمة إلى اليوم رغم قتال الصفويين والروس لأهلها.
هي مدينة زاخرة بالعلم والعلماء الأجلاء وعلى رأسهم: الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن برْدِزْبه الجعفي مولاهم، الملقب بالبخاري نسبة إلى بخارى، وهو من أئمة الحديث وأكثرهم ثقة؛ حيث إنه في زمن ولادته كانت بخارى عبارة عن حلقات من العلم تدرس السيرة والفقه، وتربى في أسرة عالمة ومتدينة، وهو من أصول فارسية، وله كتاب صحيح البخاري الذي ينقل الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يعتبر مرجعا للمسلمين في الأحاديث، وتوفي عام 256 هجري-896 ميلادي، كما أن بخارى أخرجت علماء في الطب مثل: الفيلسوف الطبيب العالم أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا، والمعروف بابن سينا .
يوجد في “بخارى” إلى الآن أكثر من 140أثرا معماريا من أشهرها: قبة السامانيين، التي شيدها “إسماعيل الساماني” سنة (892م)، والمبنى عبارة عن مربع تعلوه قبة ترتكز على رقبة تبدأ بثمانية أضلاع وتنتهي بستة عشر ضلعا في أركانها أربع قباب صغيرة. والبوابة الجنوبية لأحد مساجد بخارى، التي شيدها “القراخانيون” في القرن (6هـ)، وقد جمعت هذه البوابة كافة الفنون الزخرفية في بخارى. ومسجد “نمازكاه” الذي شيد في القرن (6هـ). ومئذنة “كاليان”، أقامها “أرسلان خان” سنة (1127م)، وزينت هذه المئذنة من أسفلها إلى أعلاها بالطوب المزخرف بمهارة عالية. ومسجد “بلند”، وهو من منشآت القرن (16م)، ويمتاز برواق خارجي به أعمدة خشبية تحمل سقفا خشبيا.
ونختم سلسلة اليوم بما قاله ياقوت الحموي عن بخارى: “وليس بما وراء النهر وخراسان بلدة أهلها أحسن قياما بالعمارة على ضياعهم من أهل بخارى ولا أكثر عددا على قدرها في المساحة، وذلك مخصوص بهذه البلدة لأن متنزهات الدنيا صغد سمرقند ونهر الأبلة ..، وليس بخراسان وما وراء النهر مدينة أشد اشتباكا من بخارى ولا أكثر أهلا على قدرها”.


