زايو سيتي.نت سعيد قدوري
ربما تكون عمارة الهند الإسلامية هي آخر عنقود للزهو الحضاري الذي أرساه الإسلام قبل الترنح اللاحق، وتعد العمائر التي تركها أباطرة المغول الذين جاؤوا الى الإسلام أعداء وانتهوا دعاة ومدافعين ومكرسين لفنونه وحماة لثقافته، بحيث تشهد آثارهم على ذلك المسعى، واحدها عمران مدينة “فتح بور سكري” المنسية.
فتح بور سيكري هي واحدة من أهم المدن الملكية المسورة التي أنشأها أباطرة دولة المغول المسلمين في الهند، وتعد من المجمعات التي احتفظت بمعالمها الرئيسية على مر الزمن. واللافت أن تلك المدينة بنيت خلال فترة قصيرة وقياسية من الزمن، لتعتبر معجزة عمرانية وواحدة من أجمل حواضر الإسلام الآسيوي في ذلك الحين.
تقع فتح بور سكري على بعد 36 كم إلى الجنوب الغربي من موقع مدينة أجرا القديمة بولاية أوتار براديش الهندية، وقد استغرق العمل فيها قرابة 15 عاما.
تعتبر مدينة فتح بور سيكري من أعظم مدن العالم جمالا من حيث التنسيق وطراز العمارة الباذخ وأسلوب تشييد الحدائق والبساتين. وهي مريعة مسورة من ثلاث جهات تخترقها ثلاث بوابات، ورابعها شاطئ جميل يتربع على أعلى رابية عليها القصر الإمبراطوري والمسجد الجامع الذي حددت اتجاه القبلة ومناظر البحيرة كنه تخطيطه الذي جاء يحمل صفة معمارية هندية متميزة بالمحورية والانضباط الهندسي والتناظر الكتلي والمحوري لأجزاء البنايات، وتشمل مساحة المدينة على 5 كلم مربعة شاملة وكم من الجواسق والشرفات والمساجد والأضرحة والمساكن على الجانبين. وتربة المدينة جرف جبلي من الحجر الرملي يمتد منحرفا من الشمال الشرقي الى الجنوب الغربي الذي لعب كذلك كعامل مهم في خططها.
أراد القائد “أكبر” لمدينته المحصنة أن تعكس التقاليد المعمارية للمدن التي أقامها أجداده من نسل تيمور لنك في آسيا الوسطى تحت تأثير العمارة الإسلامية، ورغم أن التصميم العام لها يعكس في بعض جوانبه طريقة تنظيم المخيمات البدوية العربية والتركية، إلا أن عبقرية أكبر المعمارية تتجلى أيضًا فيها، حيث أعاد صياغة التأثيرات المعمارية الإسلامية مع عناصر من العمارة الهندية القديمة والعمارة الإسلامية الإقليمية، خاصة في جوجارات والبنغال لتعطي تصميمًا جديدًا للمدن يعكس السمات الخاصة للعمارة في عهد أباطرة المغول.
مدينة “فتح بور سكري” تشبه إلى حد بعيد مدينة سامراء العباسية في العراق، ومدينة الزهراء في الأندلس، التي لم يمر على عمرها أكثر من نصف قرن، حتى بدأ يدب بها الخراب فدرست، مع الفرق هنا بأن هذه المدينة التي استمرت حتى عام 1119هـ / 1610م بقيت محافظة على معالمها المعمارية بحال أحسن من قريناتها التي أكل الدهر عليها وشرب.

