كلما اقترب موسم الحج إلا وزاد حنين المؤمنين العارم ، وشوقهم الغامر إلى بيت الله الحرام. وقد دأب المسلمون في جهات الأرض الواسعة على تلبية دعوة إبراهيم عيه السلام الخالدة ، فيهبوا من كل فج عميق إلى رحاب البلد الأمين ،إلى بيت الله العتيق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم ربهم في أيام معلومات. لقد كان على إبراهيم عليه السلام أن يدعو الناس إلى حج بيت الله الحرام مستجيبا لأمر ربه عزوجل بقوله تعالى :” وأذن في الناس بالحج ياتوك رجالا وعلى كل ضامر ياتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله “الحج25 . هذا النداء الإبراهيمي الخالد توارثه الأجيال جيلا بعد الآخر ، إجابة وامتثالا ، فإذا ما دار العام ، وحلّت أشهر الحج لبّى المؤمنون دعوة أبي الأنبياء عليه السلام، فأعدوا الزاد ، وامتطوا الراحلة ، وشدّوا الرحال قاصدين أداء فريضة العمر ، ممتثلين قول ربهم عزوجل :” ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا”آل عمرن 97 .. وعن أبي هريرة رض الله عنه قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :” أيها الناس إن الله فرض عليكم الحج فحُجّوا ” فقال رجل : أكلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت ، حتى قالها ثلاثا.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لو قلتُ :تعم لوجبت ، ولما استطعتم” ثم قال:” ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم.لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوه. الحج مرة فمن زاد فهو تطوّع”-أحمد والنسائي والحاكم. إن فريضة الحج من أجلّ الأعمال وأفضلها لنيل مرضاة الله تعالى،ودليل ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سئل عن أفضل الأعمال فقال:”إيمان بالله ” قيل:ثم ماذا؟قال:” الجهاد في سبيل الله ” قيل :ثم ماذا ؟قال :” حج مبرور”مسلم. والحج المبرور ما لا إثم فيه. بل إن الحج المبرور يفوق الدنيا وما فيها من الجزاء ،ولا جزاء أعظم عليه سوى الجنة، وهذا المعنى ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : “العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة” البخاري.ومسلم. ولفريضة الحج فضائل وعظات منها :
1 – نسبة الحجاج إلى ذات الله العلية: إن من أعظم فضائل الحج أن الله تعالى ينسب وفادة الحجاج إلى ذاته العلية ، ويقبل ضيافتهم ، فالحجاج وفد الله ، وضيوف بيته الحرام ، فإذا طلب الضيف حاجة من مضيفه في بيته، فهل تُراه يرفض الإجابة ؟ بل يلبي بأسره ما يستطيع، ولله المثل الأعلى. إن ضيوف الرحمن يطلبون فيُعطَوْن، ويستغفرون فيُغفر لهم، ويرجون رحمته فينالون، ولذلك يؤكد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المعاني بقوله عليه السلام:” الحجاج والعُمّار وفدُ الله ، إن دَعوْه أجابهم ، وإن استغفروه غفر لهم” النسائي. والطبراني في الأوسط.
.2 – الرحلة الرابحة: إن رحلة الحج رحلة غنيمة لا خسارة فيها ولا بوار ولا كساد ، فإذا أخلص الحاج فيها نيته لله، وامتثل أمر مولاه،واقتفى سنة نبيه وهُداه ، ربح وغنم ، فلا تبور له سلعة ، ولا يضيع له جهد ، فهو غانم لا محالة ، إن مات أدخله الله الجنة ، وإن عاد إلى أهله ردّه الله بأجر وغنيمة، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :”هذا البيت دِعامة الإسلام من دعائم الإسلام ، فمن حج البيت أو اعتمر فهو ضامن على الله ، فإن مات أدخله الله الجنة،وإن ردّه إلى أهله ردّه بأجر وغنيمة” الطبراني في الأوسط..فيعود الحاج إلى أهله طاهرا من الذنوب ، سالما من شوائب الماضي، وما أكثرها، نقيَّ السريرة وما أخبث ما فيها ، صافي القلب وما أصدأه ، وكأنه خرج إلى الدنيا من جديد، بل وكأن حياته ابتدأت مع نهاية فريضة الحج ، فهل يفرِّط في البداية الناصعة ؟ وتلك شهادة الحبيب صلى الله عليه وسلم بقوله: ” من حج فلم يرفث ، ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه”البخاري ومسلم.. إنها شهادة ميلاد جديد لضيوف الرحمن الذين حافظوا على حجهم وأحاطوه بما ينبغي من السلامة من الرفث والفسوق والصَّخَب.
3- فضل النفقة في الحج: من فضائل الحج أن النفقة فيه تعادل النفقة في سبيل الله ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله. الدرهم بسبعمائة ضعف” أحمد، والبيهقي وصححه السيوطي. وكما أن الله عهد إلى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بتطهير البيت الحرام في قوله تعالى:” وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركّع السجودّ البقرة124 ، فإن الحج إليه والنفقة فيه يقتضي أن يكون مال الحاج طاهرا من الحرام،ذلك أن اله طيب لا يقبل إلا طيبا،، وحرمَه طاهر لايطؤه إلى المطّهرون ، ولذلك فإن من فضل الله على الحاج أن يوفّقه إلى اكتساب المال الحلال، وبذله في الحج، ويجنّبَه المال الحرام، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” إذا خرج الحاج حاجّا بنفقة طيبة ، ووضع رجله في الغَرْز(الدابة ، أو أية وسيلة للوصول إلى البيت الحرام) فنادى : لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء : لبيك وسعديك ، زادُك حلال ، وراحلتك حلال ، وحجك مبرور غير مأزور،وإذا خرج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز ، فنادى : لبيك اللهم لبيك ، ناداه مناد من السماء : لا لبيك ولا سعديكن زادُك حرام ، ونفقتك حرام ، وحجك مأزور غيرُ مأجور” الطبراني. وتجدر الإشارة إلى أن الفقهاء تناولوا بالدرس حكم الحج بالمال الحرام، من حيث الصحةُ والبطلان، فذهب الجمهورإلى أن الحج بالمال الحرام صحيح فقها يسقط به الواجب ، قال النووي في “المجموع:” إذا حج بمال حرام أو راكبا دابة مغصوبة أثم وصح حجه وأجزأه عندنا” وهو رأي مالك وأبي حنيفة. ومما نظمه الشنقيطي في مراقي السعود: وإن يكُ الأمرُ عن النهي انفصل *** فالفعلُ بالصحة لا الأجرُ اتَّصل وذا إلى الــجـمهــور ذو انتساب *** وقــيــل بـــالأجــــر مع العقاب
4- الطين محل المباهاة : من فضائل الحج أن الله تعالى يرفع مقام الحجاج حين يتخلصون من أوحال الطين ، ويحلقون في أجواء السماء ، حين يتجردون من زينة الحياة وشهواتها ، وترتفع أصواتهم بالدعاء إلى رب العالمين فيعيشون حالة ما عرفوها في سابق أيامهم ، إنها صفة الافتقار إلى الله ، ساعتها يرفع الله أقدارهم إلى مقام أعلى ، فيباهي بهم ملائكته ، فعن جابر رضي الله عنه قال:” جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عن الحاج ، مالَه إذا وقف بعرفات فقال : ” إذا وقف بعرفات فإن الله عزوجل ينزل للسماء الدنيا فيقول انظروا عبادي شُعثا غبرا اشهدوا أني قد غفرت لهم ذنوبهم وان كانت عدد قَطْر السماء ورمل عالج “رواه البزار والطبراني وابن حبان في صحيحه .
5- البشارة بالعتق من النار: ويزداد قدر حجاج بيت الله الحرام حين يبشرهم ربهم بما تقَرّ به الأعين، وتهنأ به الأنفس، وتسكن به الجوارح، إنها بشرى العتق من النار،فقد أخبرت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” ما من يوم أكثرُ من أن يُعتق الله فيه عبيدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي الملائكة فيقول:ما ذا أراد هؤلاء” مسلم. فهل بعد هذه الأفضال فضل؟ وهل للحاج مطمح أكثرُ من هذا ، وهل للحاج مصير أسعدُ من هذا المصير : مغفرةٌ للذنوب، وعتق من النار، وفوز بالجنان. ذلك هو رصيد الحاج الذي يبتغي بحجّه وجه الله تعالى . ومن مواعظ الحج البليغة: أنه لا يصح إلا بأربعة أركان هي الإحرام والطواف والسعي والوقوف بعرفة، ولكل ركن منها سنن وآداب ومستحبات، وهذه الأركان نفسها تزخر بالدلالات العميقة، ففي الإحرام تجرُّد كامل من مظاهرالزينة وأنواعها، ومن الدنيا ومفاتنها، فالحاج يَحرمُ جسده من اللباس الأنيق ن والعطر الزكي ما دام مُحرما، ويُقبل مع الناس في موكب يذكّر بيوم الحشر، ويمتنع الحاج وهو مُحرم عن الشهوات المباحة ، ليؤكد أن الإنسان في لحظات صفاء الروح قادر على كبح جماح النفس ورغباتها ، وذلك درس بليغ يغتنمه الحاج ليجعله منهجا جديدا في التعامل مع زينة الحياة الدنيا بعد عودته. ومن مواعظ الحج ذلك التوحُّد في القصد والهدف بين الحجاج، هذا الاجتماع الواحد على المناسك مهما اختلفت اللغات ، وتباينت العادات والأعراف، فإن المراد واحد، الكلُّ يرجو أن يغفر الله له. هذه بعض فضائل الحج ، وهذه جائزة الله لحجاج بيته الحرام ، أما من لم يوفَّق بعدُ للحج ، فهل له حظ ونصيب في هذه الأيام العشرة الأوائل من ذي الحجة ، وهل هناك أعمال تُطلب في هذه الأيام ويُرفع بها صاحبها كما يُرفع الحجاج ؟ هذا ما أتناوله في موضوع لاحق إنشاء الله.
