من مفارقات زماننا، أننا أصبحنا نطبع مع بعض الظواهر في حياتنا العمومية، دون السؤال عن جدواها ومبررات وجودها ومشروعيتها، حتى صارت أمرا واقعا يستحيل زحزحته وإخراجه إلى دائرة الأضواء والمسائلة؛ التفرغ النقابي واحدة من هذه الظواهر الشاذة، والتي أصبحت تحظى بالشرعية والمصداقية والتشريف، إلى درجة التعالي عن المحاسبة.
علينا بداية التجرد من النفاق والتنميق حتى نعرف المتفرغ نقابيا، فهو بدون تعقيد موظف شبح، يأخذ أموال المغاربة دون أن يقدم لهم أي شيء. فالتفسيرات التي تعطى للموظف الشبح، تقول بأنه ينتمي إلى الوظيفة العمومية ولا يزاول عمله بسبب كسله أو استهتاره بمسئولياته أو لأن له قرابة عائلية أو ولاء داخل الإدارة العمومية يقيه “شر” المتابعة والاستفسار؛ نعتقد أن هذا مفهوم ناقص لأن الأمر أكبر من ذلك بكثير، فالموظف الشبح ليس ذلك الشخص المتقاعس عن أداء وظيفته فحسب، بل هو أيضا موظف معار من الوظيفة العمومية لتأدية خدمات لفائدة جهات لا يعلمها إلا الله.
والمتفرغ النقابي، هو امتداد لتلك الشريحة من الأعوان المعينين من السلطات الإقليمية ليكونوا عيونا لا تنام لالتقاط كل صغيرة وكبيرة داخل ساحات “التباري” العمومية، فهو شيخ نقابي “مقدس” يملك اليد الطويلة داخل النقابة، ويخشاه ويحتاط منه النقابيون، الكل يطأطئ رأسه أمام المتفرغ النقابي تملقا له، وطلبا لرضاه وتجنبا لأذاه. له بطاقة بيضاء، يفصل من خلالها ويركب مكاتب الفروع حسب ما يرضي أسياده الديناصورات النقابية لينال بدوره بركتهم حتى يبقى متفرغا نقابيا، وذاك باب نعمته بلا حساب.
إن المتفرغ النقابي سمسار ومتاجر في مشاكل الناس ، يسيء للنضال الجماهيري ويلطخ سمعة العمل النقابي وسمعة النقابيين الشرفاء ؛ المتفرغ النقابي هو من يتصدر واجهة النضال النقابي ، وهو من يعتلي المنصات والمنابر ليلهب الجماهير بالخطب النارية وينتصب في مقدمة المسيرات والوقفات الاحتجاجية، طفيلي مرتزق يقايض مآسي الآخرين بمآربه الشخصية ، يستثمر اسم النقابة ويستنزف المال العام لقضاء أغراضه، وهو من له الإمكانية للتنقل وحضور الاجتماعات والمؤتمرات وربط الاتصالات وتبوء المناصب والمسؤوليات بحيث لا يترك مجالا للمنافسة ، فيصبح هو النقابة والنقابة هي هو في نظر الناس وعند من لهم مصالح نقابية وعند السلطات . أليس هذا بالضبط ما تشتهيه السلطة لتمارس رقابتها على النقابات ولتتبع نبضاتها الداخلية ، وإلا لكانت الدولة ألغت رواتب المتفرغين في سياق ترشيد نفقات الدولة في القطاعات الغير منتجة التي تطالب المغرب بها المؤسسات المالية العالمية المانحة؟.
تجب الإشارة إلى أن التفرغ النقابي جزء من منظـومة الـريـع التي يعاني منها المغرب والمغاربة، فالوظيفة العمومية تمول من المال العام، وليس من خزينة النقابة التي يشتغل لحسابها المتفرغون النقابيون . التفرغ النقابي يندرج ضمن لائحة رخص الامتياز شأنه في ذلك شأن رخص النقل والمقالع والتسويق … والتي تجمع كل القوى السياسية الشريفة على مناهضتها ورفضها، بل إن التفرغ النقابي قد يكون أقبح أنواع تلك الامتيازات ، لأن المتفرغ النقابي يتقاضى مرتبا من الخزينة العمومية زائد رخصة التفرغ ، في حين لا يتقاضى المستفيدون من رخص الامتياز الأخرى أية مرتبات من المال العام ، هذا جانب ، أما الجانب الآخر فيتمثل في كون المتفرغ النقابي يتحول إلى بارون القطاع النقابي وتتحول النقابة التي ينتمي إليها ، والتي هي ملك عام ، إلى ضيعة يتصرف فيها كما يحلو له وبلا لجام يلجمه؛ كم من متفرغ نقابي انتقل من موظف بسيط إلى مليونير صاحب أملاك ومشاريع ونفوذ …؟.
يحاول النقابيون إقناعنا بأن التفرغ النقابي إحدى مكتسبات الحركة النقابية المغربية وهو ذات الرأي الذي يروج له المتفرغون النقابيون ويمثل لديهم مصدر المشروعية لممارسة هذا النشاط بكل أريحية، في المقابل لا أحد استفتى رأي المواطن المغربي دافع الضرائب في هذا الموضوع والذي لا تصله خدمات الهيئات النقابية لا من قريب ولا من بعيد. فالجميع يعلم أن النقابات لا تهتم إلا بالموظفين والأجراء ، أو بتعبير أبلغ ، بالمنتسبين إلى القطاعات المهيكلة في حين أن القطاعات الغير مهيكلة هي التي تستوعب الأغلبية الساحقة من القوة النشيطة في المجتمع والتي توجد خارج جميع أنواع التغطيات منها التغطية النقابية، فهو امتياز غير مشروع وصنف من أصناف الريع وترامي على الملك العام. لذلك يكون لزاما على الأحزاب السياسية المنادية بتخليق الحياة العامة مراجعة موقفها من مسألة التفرغ النقابي وأن تتحلى بالجرأة لتطهير أروقتها من المتفرغين النقابيين ودعوتهم إلى العودة إلى مواقعهم الأصلية، فالعمل النقابي مجهود نضالي صرف من ملحقات المهنة وليس مهنة يزاولها المناضل من أجل قوت يومه.إن العيب في الهيئات السياسية التي تتبنى ظاهرة التفرغ النقابي في الوقت الذي توجه فيه سهام النقد إلى منظومة الريـع والفساد السياسي وهدر المال العام، فلا تقذف الناس بالحجارة وبيتك من زجاج.
لا نرفض العمل النقابي بإطلاق، لكننا نرفض استعمال الواجهة النضالية لشرعنة الفساد والمساهمة في تزكية الريع من قبل من يفترض فيهم أن يكونوا في مقدمة المناهضين لاستغلال الملك العام ومحاربة ظاهرة الموظفين الأشباح، بل ندعو إلى مبادرة من طرف النقابات والأحزاب السياسية والجمعيات للمساهمة في امتصاص البطالة بتشغيل الشباب في الاحتراف النقابي والسياسي والجمعوي على حساب ميزانيتها الخاصة وليس من خلال الميزانية العامة للدولة، وبالتالي تحسين أداء هذه الإطارات.

Bravo mr Said. Mawdo3 yasta7i9 al ichada
موضوع جد مهم ينطبق على واقع النقابات حاليا وما تكلم عنه الكاتب ينطبق على مدينة زايو.. التي اصبح بها النقابيون رمزا للفساد
ننتظر رد المتفرغين النقابيين لتنوير الرأي العام
نطالب بإلغاء الريع النقابي !!!
لا للنفاييااااااااات الفاسدة المفسدة !!!
نطالب بإلغاء الريع النقابي !!!