سطرت رقما فوق صهوة حمار لا يحسن الجدال، سجلته هلالا رقيقا كحاجب الحسناوات في مدينتنا. عدت من حلم خير أمة أخرجت للناس، لأحط زبدا على شاطئ غزة، أعانق طفلة في يدها دمية قدت رجلها اليمنى من حد الخيانة العربية. جاءتني حمامة سوداء تحكي عن قفة الذل، وعن قالب السكر والزيت و الدقيق و جنين في حضن كلاب. قلت لها: ’’ياحمامة هل معك بريد من البلاد البعيدة؟ هل صادفت أمي العزيزة ؟ قالت: ’’أنا طفلة شريرة ضاق ذرعي بقالب السكر ومللت الحريرة.
’’كم أنت جميلة ايتها الحمامة، انني لأرى في جوفك قلبا رحيما وعقلا حليما’’ قالت بصوت رقيق وفي عينيها شفقة ورحمة: ’’ جئتك أيها الخائن و يا آكل رمضان، لاواسيك في وحدتك يوم العيد’’. الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرا والحمد لله بكرة و أصيلا. سقطت تهليلات العيد على أذني مثل الصاعقة، لتذكرني بأيام الصبا و أنا في طريقي الى المسجد رفقة أبي، اتباهى بالثياب الجديدة وبلعبة في يدي نصفها من تراب. سألت نفسي: ’’ كم مرة اشتريت فيها ثياب العيد لأبي وأمي؟’’ صاحت الحمامة في وجهي لتقطع شريط ذكرياتي: ’’أمك بخير في رحاب الرب لا تصوم ولا تتسحر ووجهها يشبه شمس الربيع’’ تذكرت يوم وارينا جثمانها الطاهر تحت الثرى، في ذلك اليوم الجميل من أيام أبريل، تذكرت الأزهار و أشعة الشمس الذهبية والفراشات والنحل تزوم في المكان سمفونية البقاء. قلت متلعثما: ’’ووو…و أبي؟؟’’ اجابت مبتسمة: ’’ أبوك هلال العيد قد لا ياتي بعد اليوم’’
عاد شريط الذكريات أمام عيني لأرى أبي في جلبابه الأبيض وقلنسوته البنية ووجهه يشع نورا. رأيته يمشي في موكب أخيه الحاج وهم يصعدون التلة الخضراء. صوت الحمامة يكسر الصمت ثانية: ’’ من الذي أفطرك في رمضان؟’’ أجبتها بقلب منكسر: ’’رضعت من ثدي أم الصبي الذي ولد على الرصيف في مدينتنا، وتجرعت حرارة النيران التي التهمت السوق الممتاز، و دخنت سحب الدخان المتصاعدة الى السماء، و خاب ظني في الاستغاثة بالمستعمر من أجل اخماد النيران.شربت كأسا من التأمين المفقود و من تفقير مئات التجار. افطرت بالغبار الذي اختنق به سكان عمارات بوركون، و شربت أذني من صوت استغاثة الضحايا من تحت الأنقاض. زنيت مع النساء وهن يستغثن في القطاع، واغتصبت طفلة من غزة، لم تترك منها القنابل الا اسمها حياة.
صمتت الحمامة و لم تنطق ثانية. خاطبتها وفي كلامي رجاء: ’’ ايتها الحمامة السوداء خذي كتابي هذا وعلقيه على جدار الكعبة في بكة. انني كتبتها بدم الأطفال الشهداء وختمت عليها بقفة رمضان. علقيها من فضلك كما علقت قصائد عنترة و امرئ القيس و النابغة الذبياني. ففيها رسالة الذل و الخيانة للعرب المسلمين. فيها لعب الأطفال ودموع التماسيح وقليل من زكاة الفطر. فيها صلاة العيد والتهليل وكل عام وانتم ضحكة للعالمين.’’
وعيدكم مبارك سعيد

قلب كليم… وفكر يجوب هنا وهناك… ويبقى المشهد من أحد روائع بيكاصو…
قالت: ’’أنا طفلة شريرة ضاق ذرعي بقالب السكر ومللت الحريرة.
صدقت و وفيت ابلغ تعبير