مليلية التي يراها الإسبان بوابة أوربا الأولى ،هي في الواقع سوق مفتوح لكل شيء ،هنا في حي “لاكانيادا “يمكن أن تحصل على ما تريد ،من مخدرات وسيارات مزورة ،وحتى الأسلحة النارية ،ولن يكون مستغربا أيضا أن تصادف مطلوبين لدى الأمن يتجولون بكل حرية ،أوتسمع من ينادي بالنصر لخليفة “الدولة الإسلامية”..لأول مرة ستتاح الفرصة لوسيلة إعلام مغربية لتسليط الضوء على هذه التناقضات ،من قلب “حي الموت”كما تسميه وسائل الإعلام الإسبانية .
خلف الهندسة الأوربية الفاتنة لمليلية ،تتوارى عوالم أخرى وتتعايش ظواهر تكمل مع بعضها البعض فسيفساء من المتناقضات ،هذا ما يحدث بالضبط في “لاكانيادا “والمثير أكثر أن هذا الحي صار محط أنظار المخابرات الإسبانية والأجنبية ،والسؤال الملح ،هو :هل أصبحت مليلية حاضنة الخلايا النائمة وقاعدة لاستقطاب الجهاديين؟
كيتوهات ‘فريقية
تقدر مساحة “لاكانيادا “ب1.5كيلومتر مربع تقريبا ،تمثل 13 في المائة من المساحة الإجمالية لمليلية ،وتقطن به حوالي 25 ألف نسمة ،أي ما يعادل 29 في المائة من مجموع سكان المدينة ،99 في المائة منهم من المسلمين من أصول مغربية أو من أصحاب الجنسية المزدوجة.
لم يكن السكان المسلمون الذين تسابقوا للظفر بقطعة أرضية فوق هذه الضاحية القريبة من الحدود مع بداية الثمانينات والى حدود 1985 يتوفرون على أدنى الخدمات الأساسية ،إلا أن المنازل المتواضعة سرعان ما نبتت بسرعة مع بداية التسعينات متخذة طابعا هندسيا عشوائيا يفتقد لأبسط المقومات العمرانية الحديثة .
اليوم ،دخول أي غريب إلى هذا الحي المعروف محليا ب “قامايو”يشبه اقتحام “حقل تجارب”تجري فيه أكثر المناورات تعقيدا ،وقد يفاجأ الزائر لأول مرة بأنه يركب مجازفة غير محمودة العواقب بين دروب وأزقة لا تلوح في أفقها سوى أسوار الحدود الشائكة التي تعزلها عن دواوير فرخانة وماريوارى وغيرها ..
حسب أحد شباب المنطقة “الفقر ضارب بجذوره في مختلف الأسر ،أما الشباب ،فأغلبهم عاطلون عن العمل ،يعيشون على الإعانات التي تقدمها الدولة بشروط صارمة للغاية ،أو من خلال ممارسة أنشطة التهريب أو الاشتغال في مهن بسيطة..”
تمثل هذه الحالة المزرية الوجه الآخر لمليلية ،وهو ما وقفت عليه “الصباح” خلال زيارتها الميدانية ،فمظاهر البؤس الشديد وانتشار الأمية بادية للعيان ،وتكفي جولة للوقوف على الغياب التام لأبسط سبل الحياة أو أي أنشطة تجارية أوصناعية داخل الأحياء التي يقطنها المسلمون .
هذه العوامل شكلت وقود “انتفاضة اجتماعية”غير مسبوقة قادها شباب هذه الضاحية المهمشة خلال السنوات الماضية ،ورغم طابعها السلمي إلا أن تلك الاحتجاجات تطورت إلى مواجهات عنيفة مع قوات الأمن الاسبانية .
وتد قيقا في الوصف ،يعتبر المتحدث ذاته ،أن هذا التجمع السكاني لا يقطنه إلا المسلمون وبضع عشرات من المسيحيين فقط “لقد تحول إلى مرتع لتفريخ الإجرام بكافة أنواعه ،ومع ما يحتضنه من فوارق اجتماعية صارخة لا شيء يمنع من تشبيه ب “كيتوهات” الفصل العنصري الذي عاشته جنوب إفريقيا “
حاضنة الخلايا الإرهابية
في مدخل الحي كتابات على الجدران يعبر من خلالها الشباب عن التهميش والإقصاء الممارسين ضدهم ،لكن بعض العبارات بالعربية والاسبانية لا تخلو من رسائل قوية تشي بتغلغل الأفكار المتشددة وحضور خطابات “داعش”وقبلها “القاعدة”في مفاصل الحياة اليومية .
ويوضح أحد أبناء مدينة مليلية في حديثه إلى الصباح أن الحركات المتشددة وجدت أرضية خصبة ،والنتيجة ،أن سكان المنطقة الذين كانوا بالأمس القريب يعيشون نوعا من الاستقرار باتوا متعودين على منظر قوات الأمن الخاصة التي تحل بين الفينة والأخرى لاعتقال مطلوبين في قضايا الإرهاب.
هذا ما تعكسه الأرقام بوضوح فبين مارس وغشت الماضيين وصل عدد الموقوفين من داخل الحي إلى 24متهما ، من بينهم فرنسيان ،ويظهر من التحقيقات بوضوح أن أغلب الخلايا المفككة لها ارتباطات داخل دول أوربية أخرى وخيوط وثيقة بالضواحي القريبة الواقعة خلف الحدود ،خصوصا في فرخانة وبني شيكر وسلوان والعروي ،ومهمتها الأساسية تكمن في استقطاب المتطوعين لإرسالهم للقتال في بؤرة التوتر ،وخصوصا سوريا والعراق.
ويتنبأ البعض بوضع أكثر قتامة ،ويرجع أصحاب هذا الرأي المتشائم إلى الوراء قليلا ،فالسلطات الاسبانية تحصد اليوم نتائج قراراتها غير العادلة منذ إصدارها لقانون الأجانب مع بداية الثمانينات ،وما خلفه حينما من ردود فعل قوية من قبل مسلمي المدينة الذين خرجوا في مسيرات احتجاجية للمطالبة بحقهم الكاملة في المواطنة والمساواة في الحقوق مع الإسبان.
والى جانب هذه الذكرى التي مازال المليليون يستحضرونها بالكثير من التوجس والخوف ،يقول فاعل جمعوي مقيم بمليلية ل”الصباح”،إن للحركات المتشددة جاذبية خاصة لدى الشباب المسلم بمليلية ،لسببين :على المستوى الديني ،يحرص أتباع هذه الحركات على أن تكون عمليات الاستقطاب مدروسة ،بحيث يتم التركيز على عينة من الشباب كانوا إلى وقت قريب رمزا للتحلل الأخلاقي والديني وتحت تأثير عوامل اجتماعية واقتصادية صعبة .
والسبب الثاني،بحسب المتحدث ذاته ،أن نشاط الخلايا المتطرفة يخضع نسبيا داخل مليلية لحرية أكبر ،على عكس المناطق الأخرى خارج الحدود ،مع ضمانة أخرى تتمثل في أن العديد من أتباع تلك الحركات يرتبطون بروابط عائلية في كل من بني شيكر وفرخانة وماريواري …هذا الاتصال المباشر بين الجانبين لا يحتاج سوى لاجتياح المعابر الحدودية.
