حميد العكباني
منذ اندلاع ما يحلو للبعض أن يسميها بأزمة الاتحاد ، و التي اعتبرها على الدوام مفتعلة افتعالا ، اختلط فيها الذاتي المرضي و الأناني ، بالانتهازي ، وبالجاهل المنساق المردد لصوت سيده .. منذ اندلاع هذه الأزمة ، وأنا أقمع رغبة جامحة في التصدي ـ انسجاما مع قناعاتي ـ لما ينفثه هؤلاء من سموم ، جعلت من حزب الاتحاد الاشتراكي ، بمواقفه الخالدة وتاريخه المجيد وتضحياته الجسام ، علك في الأفواه ، يلوكه المغرض المتشفي ، والحاقد الكاره ، والجاهل المتربص ، معتمدين في ذلك على ركيزة ” وشهد شاهد من أهلها ” ؟؟ بما وفره لهم هؤلاء الذين يسمون أنفسهم أبناء الحزب وبناته ، من أراجيف و قلب للحقائق ومن سباب أيضا ..وأقول (الذين يسمون أنفسهم .. ) لأنه أصبح صعبا علي ـ أنا الذي عشت زمنا كان يحرم فيه المناضل نفسه ، أخلاقيا ، من الحديث في قضايا الحزب خارج التنظيمات ـ أن أعتبر ابنا للحزب ، من يسب تنظيماته وقيادته المنتخبة ، على صفحات الجرائد التي بنت مجدها على القدح والتشكيك في مواقف حزب الاتحاد وتاريخه وقادته.
لكنني اليوم ، أعتبرني متواطئا ضد الحزب ، ان استمررت في كبح جماح الرغبة في القيام بواجبي النضالي ، إزاء ما يحاك ضد حزبي من مؤامرات ، منها المعلن ، ومنها الخفي المضمر .. وسأنطلق من الإعداد للمؤتمر الوطني التاسع ، لأضع السؤال : هل نصت مشاريع المقررات التي أعدتها الجنة التحضيرية للمؤتمر ، على شيء اسمه “التيارات ” ، أو بالأحرى “مأسسة التيارات” داخل الحزب ؟؟ ودون الدخول في النقاش الفكري : هل التيارات تنزل بقرار تنظيمي ، أم تمليها ضرورة ثقافية فكرية ، أبادر وأجيب بالقطع لا لم يثر هذا الأمر في أوراق المؤتمر .. ثم أنتقل الى السؤال الموالي : هل كان ممنوعا على أحد من المترشحين للكتابة الأولى للحزب ، أن يزور المناضلين في أقاليمهم وجهاتهم من أجل اطلاعهم على مشروعه السياسي والاقتصادي والثقافي والتنظيمي في حملة انتخابية ، قبل انعقاد المؤتمر بحوالي شهرين على الأقل ؟؟ .. أجيب بالإيجاب .. لكن هل طرحت فكرة التيارات في جدول أعمال هذه اللقاءات ؟؟ أكاد أجزم بالنفي .. و بشهادة ملايين المغاربة الذين تابعوا ـ في سابقة حزبية هي الأولى من نوعها ـ برنامج( مباشرة معكم ) ، حيث لم يتم التطرق للتيار ،لا من بعيد ولا من قريب ، وخاصة ممن تحمسوا له بعد انتهاء أشغال المؤتمر..
وعند انطلاق أشغال المؤتمر ، ونحن داخله كمؤتمرين ، لم يخاطبنا أحد من المترشحين ، أو من يقوم بالحملة الانتخابية بدلهم ، بفكرة التيارات ، لا.. بل وحتى عندما منح كل مترشح الكلمة في الجلسة العامة ، مدة خمسة عشرة دقيقة كاملة غير منقوصة ، لم يشنف أحد من المتنافسين ، مسامعنا لا بذكر التيارات ، ولا بتعداد مناقبها ؟؟
تنتهي الحملة الانتخابية ، ونمضي جميعا الى التصويت على الكتابة الأولى في تمرين ديمقراطي ، كان يمكن أن يكون مبعث فخر للاتحاديين ، ونموذجا للحياة التنظيمية داخل مشهدنا السياسي ، لولا الأنانيات ، التي أبت إلا أن تحول الفرح الى مأتم .. وتأتي نتيجة الانتخابات في دورها الأول ، و يسقط ـ بلغة الانتخابات ـ هرمان من أهرامات الاتحاد ، نضالا ، و عطاء ، و فكرا ، و ثقافة ، و أقدمية في الحزب ،و في المسؤوليات القيادية.. وهما الأخوان فتح الله ولعلو ، ولحبيب المالكي .. ومع ذلك ، لم نسمع ساعتها الحديث لا عن تيار ، ولا عن تدخل من جهات أجنبية للتأثير على المؤتمرين للتصويت عن هذا أوذاك .. بل كل ما شاهدناه ، هو عناق الأخوين المرحوم أحمد الزايدي ، والأخ إدريس لشكر ، والدخول في نشوة التقاط الصور مجتمعين أو كل وأنصاره .. لكن ما ان أعلن عن نتائج التصويت ، وفوز الأخ إدريس لشكر ، حتى أصبح الحزب ، والمؤتمرين ، والكاتب الأول ، هدفا لكل النعوت القدحية ، من قبيل أن المؤتمرين الذين صوتوا على الكاتب الأول ، هم بيادق للمخزن ، ينفذون تعليمات رؤساء الأقسام الداخلية في العمالات والأقاليم .. ؟؟ ومن قبيل أن لشكر ليس مرشح الحزب .. وإنما هو مرشح لجهات في الدولة العميقة .. وبالتالي فالحزب معه أصبح رهينة .. ؟؟ الى غير ذلك من المقولات المسكوكة ، التي كونت مادة دسمة للخصوم والمتربصين والحاقدين ..
احتار المناضلون في أمر حزبهم ، وهم يرون سكاكين ” أبنائه” تنهش في لحمه ، وتطبق فيه ” إما أنا أو لا أحد .. إما معي أو مع الإرهاب .. أنا وبعدي الطوفان ..” ؟؟ ويحار المناضلون ، بأية إجابة سيجيبون المواطنين الذين يسألون بحسن نية وبسوئها ، عن هذا الذي يقع في حزبهم .. حتى كانت محطة استكمال آخر أشواط المؤتمر، بعد حوالي ثلاثة أسابيع ، بانتخاب اللجنة الإدارية التي صوت فيها الجميع ، وانتهت أشغال المؤتمر بانتخاب لجنة إدارية ، من طرف الجميع .. ثم دعيت بعد ذلك اللجنة الإدارية ، كأعلى سلطة تنفيذية بين المؤتمرين ، وتبارى على عضوية المكتب السياسي عدد من الوجوه السياسية المعروفة ، ومن الشباب والنساء ، وبعد نتائج التصويت .. عادت السكاكين لتشحذ من جديد ، ولتشكك وتنهش كسابق عهدها قبل انتخاب المكتب السياسي ؟؟ ولإلباس الحق الباطل وهم يعلمون ، تم اختلاق فكرة التيارات ، والتيارات منهم براء ..
استمر هؤلاء في تنسيقاتهم خارج التنظيمات الحزبية ، يعلنونها على رؤوس الأشهاد في الجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي .. بموازاة مع مقاطعة كل الأنشطة الثقافية والتنظيمية والإشعاعية التي ينظمها الحزب .. مختزلين كل الصراع في شخص الكاتب الأول .. من قبيل : ” فك الارتباط مع لشكر ..” أو ” لم أعد أجد نفسي في تنظيم يقوده لشكر..” وهو ما يكشف عن التناقض والارتباك بين فكرة التيارات التي تمليها في الجوهر ضرورة فكرية و ثقافية .. وبين تشخيص الصراع في شخص أو أشخاص ، الذي لا مرجعية له ، سوى مرجعية التدافع للظفر بمصلحة شخصية هي الأخرى ؟؟ هذا التناقض والارتباك تكشف عنه بوضوح ، بعض الخرجات الإعلامية لقادة الحملة على الكاتب الأول ، التي تسارعت وتيرتها ، بعد وفاة المرحوم أحمد الزايدي رحمة الله عليه. ففي الوقت الذي يقول فيه علي اليازغي ، ابن الزعيم الاتحادي محمد اليازغي ، الذي يشغل مقعدا في البرلمان المغربي عن كوطة الشباب ، في استجواب له مع ” الأخبار ” بتاريخ 17 نونبر2014 : ” .. بعد ذلك تكونت لدينا فكرة خلق التيار، واخترنا له اسم تيار” الانفتاح والديمقراطية ” .. التيار توسع عبر المراحل والشهور التي مرت ، والآن وصلنا الى مرحلة في الحقيقة أصبحنا أكبر من تيار ، تحول التيار الى جبهة موسعة .. ” يا سلام في بضعة أشهر من الاجتماعات اللاتنظيمية ، والتي قاعدة حضورها غير مضبوط ، مصاب غير للي يجي يحضر ، يقول لنا الأخ اليازغي الابن ، بأن التيار قد توسع وكذا وكذا.. لكن ماذا يقول لنا القيادي الاتحادي الأخ عبد الهادي خيرات ، المناهض بدوره للقيادة الاتحادية الحالية وعلى رأسها الكاتب الأول ؟؟ في موضوع التيارات ؟؟ .. في استجوابه الذي أثار جدلا واسعا في صفوف المناضلين ، المنشور بجريدة المساء ، عدد السبت والأحد 15 و 16 نونبر 2014 يقول بالحرف : ” .. ولمعلوماتك فان تيار الانفتاح والديمقراطية ، قد تم حله ، لأن عددا من الاتحاديين قد عابوا على مؤسسي التيار ، انزواءهم وعدم انفتاحهم على مناضلين آخرين ، فاضطروا الى حل التيار .. ” من نصدق إذن ؟ هل علي اليازغي الذي بشرنا بأن التيار قد توسع الى أن أصبح جبهة عريضة ، فتم حله ؟؟ أم نصدق الأخ خيرات ؟ الذي يقول بأن أصحاب التيار اضطروا لحله ، لما تعرضوا له من انتقاد بسبب انزوائهم بالتيار ، وحصره في دائرة ضيقة بعيدة عن المناضلين ؟؟ .. ثم يضيف الأخ خيرات في نفس الاستجواب : ” … التيارات لم تنجح حتى في البلدان الأوروبية ، فكيف في بلد متخلف مثل المغرب ؟ إذ من الطبيعي أن ينقلب التيار الى إطار متقوقع على نفسه شبيه بالمعسكرات ، وليس أداة تنظيمية حاضنة لفكرة ومشروع مجتمعي وأطروحة سياسية .. ” هذا رأي قيادي في قضية التيارات ، التي اعتمدت كقميص عثمان من أجل حشد الأتباع .. قبل أن يشرع في التنصل منها بمبررات متضاربة ومتناقضة كما تم تبيانه سابقا ، على لسان قادة التيار نفسه .
وأرجع الى استجواب الشاب علي اليازغي الذي أورد لفظة ” الغبن ” في تبرير غير مقنع وغير متماسك ، لتحول التيار الى “جبهة ” : ” .. أصبح التيار يميل الى جبهة موسعة لإنقاذ الاتحاد ، هذا هو التوجه الذي أخذه التيار في الشهور الأخيرة ، لأن الكثير من المناضلات والمناضلين يحسون بالغبن .. ” ؟؟ فما دخل الغبن هنا ؟؟ لابد من الرجوع لاستجواب الأخ خيرات مع جريدة المساء ، إذا أردنا أن نقف على دواعي استعمال هذه اللفظة ذات الحمولة التجارية .. يقول الأخ خيرات : ” .. نحن أمام أجندة ضاغطة .. نعم الانتخابات .. لقد أصبح الزبانية المحيطون به (المقصود إدريس لشكر) يقولون : غدا ابحثوا عمن يعطونكم التزكية للترشح .. يعني أن الحزب لن يزكيهم في الانتخابات الجماعية والبرلمانية ، وأصبح هذا السيف مسلطا على رقابهم .. هذا ليس لعبا . وهذا النوع من المناضلين الذين يتحملون المسؤولية على مستوى الجماعات وغيرها ، لايمكن منعهم من ممارسة السياسة والشأن العام لمدة ست سنوات .. ”
إذن حل “التيار” والبحث عن فضاء “أرحب” يستوعب “الجبهة” الموسعة ، سببه ما يحسه مناضلات التيار ومناضليه من ” غبن ” ..؟ والغبن هنا ينزاح عن معناه التجاري ، ليعود إليه في المجال السياسي ، ويصبح رديفا للحرمان من الترشح للجماعة والبرلمان . فإذا كان الغبن ـ بتعبير الأخ علي اليازغي ـ هو الحرمان من الترشح ، فان غالبية الاتحاديين والاتحاديات مغبونون ، وما عليهم تبعا لهذا المنطق ، إلا أن يغادروا سفينة الاتحاد ؟؟ اللهم إذا كان الغبن المقصود ، هو ذاك الذي لا يجب أن يطال أبناء الزعماء وبناتهم .. وألا يطال أعيان الحزب الذين انتموا إليه عن طريق المقعد البرلماني أو الجماعي ، فإذا انتفى المقعد ، انتفت معه أسباب الانتماء ، لكن بعد اختيار أسماء وتمحل تبريرات تليق بالوضع الاعتباري للمغبون الذي سيضرب في أرض الله بحثا عن ضالته/ مصلحته .. وكذلك يخبرنا الأخ خيرات بأن هؤلاء لايمكن أن يمارسوا السياسة إلا في البرلمان والجماعة ، وبالتالي لا يمكن منعهم من ذلك مدة ست سنوات ؟؟ بمعنى أننا ، نحن الذين حرمنا الترشح للجماعات ، التي شرفنا فيها ذكر حزبنا .. وحرمنا من طموحنا المشروع للترشح للبرلمان .. ليس ست سنوات فقط وإنما 12 سنة بقرارات فوقية ، وجائرة ، كان علينا حسب منطق الأخ خيرات ، أن نحجم عن ممارسة السياسة .؟؟ اللهم ان كان يقصد هو الآخر، أعيان الاتحاد من زعماء التيار ، الذين ان كانوا متخوفين من عدم الحصول على التزكية للترشح مستقبلا ، فما عليهم سوى تأسيس بديل ، لكن بمبررات الانفتاح والديمقراطية والنزاهة الفكرية ، دون أن يتم إغفال مبررات أخرى ، من مثل : احتضار الحزب .. ابتعاد الحزب عن المسار الطبيعي .. تحالفات الحزب ذهبت بعيدا دون أن تحظى بأية مناقشة جدية… إضافة الى التشكيك في أية خطوة تنظيمية ، أو إشعاعية يخطوها الحزب ، وأسوق لذلك مثالا واحدا لعله يبين الى أي حد من السقوط بلغ التمحل والتأويل المغرض لهؤلاء الذين يزعمون الغيرة على الحزب ، ويتعلق الأمر بإحياء يوم الوفاء . وهي فكرة أبدعتها القيادة الجديدة للحزب ، واختارت لها يوم 29 أكتوبر من كل سنة ، بما يحمله هذا التاريخ من رمزية قوية في تاريخ الاتحاد ، فهو اليوم الذي اختطف فيه الشهيد المهدي بنبركة ، و في الاحتفال الذكرى ، يتم الاحتفاء بالتاريخ الاتحادي الحافل بالتضحيات والأمجاد ، لا للوقوف عندها والإغراق في مديح ذاتي عقيم ، ولكن لاستحضارها ، استشرافا لمستقبل الحزب والبلد وأبناء البلد .. فهل تدرون ما رد فعل الأخوات والاخوة أبناء التيار ؟؟ مقاطعة الاحتفال بالمطلق .. وليتهم اكتفوا بذلك ، لا لقد اختاروا كمبرر لهذه المقاطعة تبريرا غريبا ، يبين الى أي حد قد يصل الحقد بصاحبه فيقولون : ان لشكر بابتداعه الاحتفال بيوم الوفاء ، فهو يعمل على طمس تاريخ الاتحاد والالتفاف على ذكرى شهدائه ؟؟ حقيقة لم أفهم من هذا التبرير سوى ما تدل عليه حكاية الذئب و الحمل ، أو قصة جحا وابنه والحمار .. وللي فهم شي حاجة أخرى يفيدنا الله يرحم الوالدين .
والخلاصة في نظري المتواضع، أن العديد من الوجوه الاتحادية ، لم تخف طموحها المشروع في قيادة الاتحاد ، بل ومنها من اعتبر نفسه الوارث الشرعي ، وأمين سر الزعيم التاريخي للاتحاد ، الفقيد السي عبد الرحيم بوعبيد ، واعتبر مناسبة المؤتمر الوطني التاسع فرصته المشروعة ، فمنهم من ترشح ، ومنهم من لم يترشح ، إما لأسباب صحية ، أو لكوابح سياسية طارئة وقاهرة ، فأحجم مكرها على الترشح .. ما كون لهؤلاء عقدا ، ظلت مكبوتة الى أن وجدت في فكرة التيار والانفتاح و.. مخرجا فجعلت من افتعال أزمة في الاتحاد وإذكائها ، وسيلة للانتقام للذات المكلومة .. وأن العديد من الملتفين في إطار ما سموه تيارا ، لم يعد يجد لنفسه مكانا تنظيميا داخل مدينته أو قطاعه ، أو خاف على فقدان موقع ، أكتسبه في الغالب الأعم عن طريق الترضيات ، فراح يبحث له عن تعويض في التيار .. والأولى أنه لو كانت هناك حبة خردل من غيرة على حزب الاتحاد وتاريخه ، لظل هؤلاء متشبثون بحزبهم يصارعون من الداخل ، للإعلاء من شأن الديمقراطية الداخلية ، ويناضلون من أجل تنفيذ مقررات المؤتمر ، وربح تحديات المعارك التي يفرضها علينا وضعنا كمعارضة بناءة ، لخدمة مصالح الوطن التي من أجلها وجد حزب القوات الشعبية .. ولكنه” الغبن ” كما هو في مفهوم علي اليازغي وتفسير عبد الهادي خيرات .. فاللهم لا تغبن أعيان حزبنا ، المستفيدين على الدوام من ريع حزبنا .
