أعلن عن موعد إجراء الانتخابات ،وفتح باب تجديد اللوائح الانتخابية ،وبرز المتبارون في أخذ مواقعهم من العملية ،فراحوا يستنهضون همم المؤهلين ،للتسجيل بكثافة في اللوائح ،عسى أن تكون الوفرة سببا في فوز هذا المرشح أو ذاك .لأن هذا المقدم على الترشح ،تنتابه مخاوف ،حتى ولو كانت لائحته الانتخابية تتوفر على تسجيلات مهمة .ولعل هذا الأمر ما استنتجته في ليلة من ليالي الجمع من انتخابات سابقة .حيث جاءني أحد المرشحين الذين أمروا مرفقا محليا لعقود ،ليبدي مخاوف معلنة من نهار الجمعة ،حيث غمار المنافسة .
المضحك أن المتوجس لا منافس له .تفسير ذلك ،أن المرشح الذي تأتي عليه السنين في مجلس والنتيجة “ربنا خلقتنا”،يعني لا شيء يذكر “إلا ما استفاد لنفسه “،تنعدم لديه الثقة ،وتهتز نفسه ،لأنه يعي تماما زمن الرحيل قد أزف .”أما الزبد فيذهب جفاء ،وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ودوام الحال من المحال “.
بحكم العمل الطويل في الحقل الجماعي ،لن أعدم الحقيقة إذا قلت :إن نزاهة الانتخابية في العديد من الوحدات الترابية ،فقدت وانفلت عقالها وراحت تندب حظها البئيس ،لأنها حوربت فلم تقو على الظهور في يوم من الأيام ،لنتملى بطلعتها البهية عبر إشراقة نبراسها دستور 2011 ،الذي رسم خارطة طريق للديمقراطية .وأشد ما أخافه خلاف الاستحقاقات المقبلة أن تكون على شاكلة سابقاتها ،التي سارت على نمطية عقيمة أفرزت نفس الوجوه اللامبالية بالشأن المحلي ،وما يحدث فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض :غياب تام وتدبير أعرج .
وأعتقد أن الأحزاب والأطياف السياسية المنخرطة في المسلسل الانتخابي ،لها ضلوع كبير في إخفاء النزاهة من العملية الانتخابية .فإلى عهد قريب جدا تلاعب الكثيرون في العملية من خلال شراء الذمم ،والتطاحن حول احتلال المواقع ،فلا مندوحة من تغيير هذا الواقع المؤلم الذي ما فتئ يفرز مجالس جوفاء مجردة من أي حس بالمسؤولية .فيوما قلت عن هذه المجالس ،وقد أفنيت عمرا طويلا في كيان لا قوائم له ولا رافعة ،مايلي :
أفنيت زهرة عمري مغاليا ** على طغة كلفتني غاليا
سرى بي الزمن سير غيلم ** كلت قوائمه فظل ما شيا
أو كمن تورم من أخمض ** فدب يحبو وقد عانى مآسيا
أو كصدى في واد موحش ** تردد ولا جوابا شافيا
مجلس مخلق جفت منابعه ** فصار جذعا نخرا خاويا
ظللت لسنين أتابع محافلهم ** فلم ألحظ إلا جهلا مركبا قاسيا
فأستشيط حننقا مما أنقله ** عن صفوة ذاع صيتها عاليا
في لؤم وجرم ومكر مخادع ** تكشف عوراته فغدا عاريا
عشت لزمان فخبرت مراميهم ** فلم ألمس شأوا ولا معنى عاديا
من دورات إلى أخرى طارئة ** كأن البيت الأبيض استفز معاديا
مجالس ملآى ورؤوس فارغة ** كالطبل الأجوف يصدح عاليا
أو كسراب وقد عد لظامئ ** جرعة ماء تروي الأمانيا
أو كأسفار وقد ناء بها ** ضامر فغدا صفرا خاويا
هذه صورة بشعة لمخلفات الانتخابات ببلادنا ،التي تشبه حاطب الليل ،تأتي على كثير من الغث ،ولا تصيب السمين إلا لماما .فمثل هذا المجلس لا يستطيع أن يدبر الشأن المحلي المرجو ،لأن الأساس في المنتخب أن يحمل رصيدا من القيم الأخلاقية والعلم بالمسؤولية الملقاة على كاهله بالمجلس المحلي ،علاوة على المستوى التعليمي المفروض أن يتحصن به المرشح .
فالجاهل لا يورث إلا جهلا وسوء تدبير .وأذكر في هذا المقام بإحدى المناظرات للجماعات المحلية السابقة ،والتي كان عنوانها بالبند العريض :”تكوين وإعلام المنتخبين الجماعيين “.
سنوات ولت فلا النتخب تكون ولا علم بما يجري في مجال تدبير وتسيير الشأن المحلي .
هذه الأمور مجتمعة لا مناص منها إن أردنا أن ننتشل كيانا قادرا على تدبير هذا الشأن وغيره .وهيهات أن يصيب السهم مرماه مادام ثمة مانعا أو خللا يحول دون إيصال تيار الحكامة الرشيدة إلى المرفق المحلي .
فإذا كانت الأحزاب تنال حصة الأسد من فساد الانتخابات ،فحري بالمواطن كذلك ،أن ينال حظه من الفساد الانتخابي .فعديدة هي الانتخابات التي مرت ،والباقيات “بالسلامة” ستأتي .
وكثيرة هي الممارسات الميدانية التي واكبناها في هذا المضمار ،وكان من باب الاعتراف ،البوح بأن المواطن يساهم بشكل كبير في إفساد العملية الانتخابية من خلال عمليات لا تمت بصلة إلى الديموقراطية ،التي تعتبر النزاهة فيها ركنا أساسيا ،وحجر الزاوية في المنظومة ككل .ولذلك ،يجب على المصوت المغربي أن يرقى بفكره إلى درجة ناخب -كما يحصل في البلدان الغربية – فالناخب هناك يتابع الشأن المحلي والوطني من خلال الصحف والجرائد والمجلات ،ويتماشى أيضا مع ما يفرزه هذا الحزب أو ذاك من نتائج من خلال البرامج الإنتخابية وفق الحسابات الصحيحة .
أما نحن فنتخبط خبط عشواء ،ونتيه في متاهات الضياع الأبدي ،بحيث شق علينا الرقي بفكرنا ،وعز علينا النضج السياسي والحس الوطني ،ورحنا نقبل بفتات قبل إنزال الورقة الملعونة في “الصندوق الشفاف “أثناء الانتخابات .
خلال الاستحقاقات الجماعية الأخيرة ،قلت لأحد المصوتين وهو يدخل مكتب التصويت وأنا أهم بإغلاق الباب مساء :ما الذي دفعك إلى تأجيل واجبك الوطني إلى هذا الوقت الأزف ،”وكان المساء مطيرا ” ؟ رد قائلا :عملت اليوم كله ،وعلمت أن الورقة الزرقاء “زرقلاف”
تنتظرني .فلم العجلة على أمر مضمون المنال ؟لم يربكني الشاب ،فالعارف لا يعرف خمس وعشرون من عمر آستنفذته في هذا المجال ،لم ألق إلا جهلا مركبا قاسيا – كما أسلفنا القول في النخبة – ،وما بالك بالمواطن العادي ،فالطامة أقوى وأفظع حيث ، لا يستقيم الظل والعود أعوج ، وقوام المرء ضميره ،إذا حي واستفاق من الغفلة ،حتما سيرقى إلى درجة “ناخب”.
أعتقد أن الزمن لا زال بعيدا للرقي إلى هذه الدرجة ،لأن الثالوث الخطير “الجهل ،الفقر ،المرض”لازال قائما بين ظهرانينا .فما لم يحارب هذا الثالوث ،سيبقى النزاهة معلقة إلى إشعار آخر .
ومجمل القول :إن النزاهة تربية وسلوك ،وخلق وثقافة ،تتطلب ضميرا حيا لا تكدره الدلاء ،وعزما على مناهضة نوازع النفس البغيضة ،كالرشوة وبيع للذمم والأنفس ،مقابل دريهمات لا تعني ولا تسمن من جوع .وعليه فلا بد من تغيير جذري لمسار الانتخابات :على مستوى تأهيل المواطن وكذا على قاعدة النخب التي ستتأهل إلى تدبير الشأن المحلي .فكلا هما حجر الزاوية .
نسأل الله تعالى أن نستفيق من عيوبنا ،وننهض من سباتنا وغفلتنا . فالسنين تمر ،والعمر يجري ،ودوام الحال من المحال .ولله عاقبة الأمور.

اشاطرك الرأي اخي الكريم فنزاهة الانتخابات مقترنة بنزاهة الاحزاب ومن يمثلها ومن يمثلها عندنا نعرفهم جيدا والا كيف وصلنا الى كل هذا العزوف ؟ مكابت اقليمية وجهوية مغلقة ولا تفتح ابوابها الا في فصل الانتخابات بحيث تدور الحركة بمفهومها السياسي والتجاري ، وفي لحظة ينبري شخص ما بين المرشحين مجهول الهوية بدون ماض سياسي ولكن من اصحاب الشكارة فيحصل على معظم الاصوات وبمباركة الجميع وامام الحياد السلبي لوزارة الداخلية التي تكتفي بالتفرج في غياب اي شجار دموي ، كيف يمكن لشاب يطمح للشفافية ان يدخل هذه المعمعة ؟ هذا المستنقع الوسخ الذي يسمونه بالسياسة ؟ وما نراه في غرفتنا الاولى والثانية لخير دليل ، كلام ساقط لا يليق بممثلي الامة ، صراع من لاشيء وسبحان الله في بداية 2011 كانت لغة البعض مفهومة وبعد انتخابات 25 نونبر اصبحت لغتهم عبارة عن الغاز وكلها تعاكس ما قيل سابقا اي خارج الحكومة انا مناضل و داخلها انا ضد الشعب فهمتو شي حاجة بلعمى حتى انا ما فاهم والو ويطلبون منا ان نثق فيهم ، مستحيل الثقة في احزاب بهذا الشكل والغريب ان احزابنا متشابهة الى شكل التوائم او اكثر