فيرما أوليمان (الجزء الخامس)
(بقلم ميمون الحسيني)
إنهمكت(فطومة) في تحضير طعام الفطور لزوجها وأخيها وانشغلت به، وأقبلت عليه واشتغلت به، ثم سمعت طرقا بالباب.
إبتسمت وراقت، وبشت وافترت، وقالت في نفسها (هذا أخي حدو، قد حضر).
إتجهت نحو الباب مسرعة، ضاحكة مستبشرة. أزاحت الترس، فتحت الباب، فإذا بها منبهرة مصدومة.
لم يصل (حدو) دار أخته بعد ولم يبلغها، ما يزال بالطريق ماشيا، تلة (الوفاء) قاصدا، إلى موعده نحو (محند) متوجها.
إنطلق مسرورا محبورا، مسرعا مهرولا، على مطلبه ومبتغاه وافدا مقبلا، ولأمره منشدا وعليه مستعجلا.
ليس من السهل أو البسيط، ولا من العادي والدارج، أن يقبل (محند) باصطحابه، ويوافق على أن يلزمه (حدو) في مهامه، إذ سبق وترجاه، وتقدم وناشده وطلبه، ولم يحض بموافقته، أو ينل قبوله واستجابته.
غاية (حدو) أن يتعلم من (محند) سر صنعته، ويقتبس ويستقي تعاليم حرفته ومهنته، ويتعرف على الطرق التي يسلكها، فينحو نحوه ويقتدي أثره.
مشى والأمل يحذوه، والبشرى تتراقص أمام عينيه، بشرى بمستقبل جميل لا جوع فيه ولا غرث، ولا هجرة ولا مرارة.
كان أقصى ما يرجو (حدو) ويأمل، وأبعد ما إليه يسعى ويتطلع، وأكثر ما إليه يتوق ويطمح، هو جني بعض المال، يستعين به على سوء الحال، ويستغني به عن شماتة الأرذال، ويخفف عنه وطأة الحياة والاثقال، فيشتري شيئا من القمح والزيت، يسد رمقه وأهله بالبيت، فتكون له معاشا وأجرة، فلا يضطر للرحيل والهجرة، وإن صفا وراق الحال إشترى بعض الأغنام أو إبتاع بقرة.
تراجعت (فطومة) خطوتين إلى الوراء مذعورة خائفة، مرعوبة فزعة، شعرت بقشعريرة تسري في جسمها، وتغير حال جلدها، واشتد خفقان قلبها حتى كاد ينخلغ من مكانه، وينقلع من محله ومستقره.
ثم تمهلت وتثبتت…
توقفت…
استدركت أمرها، ووطنت نفسها، مستعينة بإيمانها، مستغيثة بيقينها. تجلدت واصطبرت، وتشددت وتشجعت، ثم إلى الأمام تقدمت ومشت.
لم تكن (فطومة) بالتي تخاف الظلام أو العتمة تخشى، ولا الجن أو الوحش تتقي وتتحاشى، ولا المرض الذي استشرى وتفشى، إذ أنها ألفت ذاك كله وخبرته، وجربته وتمرست عليه، فلا شيء يهز إيمانها، ولا أمر يزلزل أو يحرك يقينها.
لكن ما رأت أمام باب دارها، وظهر وتجلى قبالتها، كاد يفقدها رشدها، ويذهب صوابها.
إستيقظت (الوازنة) باكرا، وهمت بتحضير طعام الفطور لعائلتها، فاليوم، يوم مشهود، سيذكره الأبناء والأحفاد وسيكتب بماء العود.
إتجهت نحو البقرة وأخذت بحلبها.
لم يكن حليب البقرة مدرارا، ولا وفيرا أو مغزارا، ولن يكفي لإطعام أهلها، أو سد رمق عائلتها، لذا أخذت شيئا من أدم الماعز والأغنام (ثِيبَرَّا) سبق وأحضرته، ثم على النار وضعته، فسخنته وجمرته، حتى تغير لونه وأصبح بنيا، وتبدل ريحه فغدا زكيا، وزالت شوائبه فرجع صحيا.
أضافت إليه ما نالت من حليب البقرة، وصنعت منه طعمة (بركوكش).
بعد تناول وجبة (بركوكش) إنطلق (سي البشير أمقران) نحو (امحند لاركو) والشمس لم تشرق بعد، والفكر منه في دفع وشد، والوجد في نتر ورد.
إصطحب بقرته ليبيعها إياه، ومقايضتها ببعض المال.
وقفت (فطومة) بباب الدار تنظر، وقد هدأ روعها وسكنت نفسها.
لم يكن الطارق سوى إمرأة.
تبدو شاحبة الوجه، ضعيفة البنية، نحيلة الجسم، بادية العظام، ظاهرة الفكين، كأنها الموت تجسد بصفة إنسان، أو العدم استقر فيها وتجلى ورسم على وجهها وبان.
عظام وجهها بادية، وعيناها غائرتان تسعان مدا من الماء وتستوعبان.
ثيابها رثة مقطعة، وبردتها رميمة مهترئة، كأنها سقطت فريسة للكلاب،أو هوت ضحية ووقيعة للذئاب. أنفاسها تصعد وتنزل، وتعلو وتنخفض، فينتفخ صدرها تارة ويبرز، ويخبو أخرى فيغوص ويختفي ويغيب، وأوداجها ممتلئة ظاهرة منتفخة.
شعرها أشعث متلبد متسخ أغبر. حافية القدمين، جريحة متورمة، نتنة كريهة الرائحة.
نظرت إليها (فطومة) فعلمت وأيقنت، وعرفت وأدركت، أن الجوع قد أهلكها، والعدوى اللعينة قد فتكت بها وقضت عليها.
إجتمع عليها المرض والوباء، وعدمت العلاج والدواء. إفترسها الجوع والتهمتها الفاقة، وقضت عليها العسرة وأفنتها المخمصة.
في الأشهر الأخيرة إنتشرت بالقرى المجاورة أمراض خطيرة معدية، واستشرت فيها أوبئة قاتلة مميتة، فأودت بحياة الكثير من الناس وفتكت بهم، وأفنت وقضت على بهائمهم.
زاد نقص الماء بالآبار وشحه، وإمساك السماء وضنته الطين بلة، فأصبح المرض والهزال رداء وحلة، وغدا أغلب أهل المنطقة ذا سقم وعلة، ولم ينج منهم سوى قلة.
لم يبزغ الفجر بعد ولم ينفلق الصباح، لكن سواد الليل بدأ يتقهقر، وعتمته أخذت تتوارى وتستتر.
وقفت الغريبة للحظات لا تنطق ولا تتكلم، لا تتحدث ولا تتفوه، تنظر الى (فطومة) بعينين سوداوين، وتحدق بنظرات كأنها سهام فارقت قوسا مشدودا، فتردي من أصابت قتيلا وتتركه ممدودا.
بدت وكأنها تود إخبار (فطومة) بأمر، أو تبوح وتجهر لها بسر، أو تطلب طعمة وتلتمس شربة ماء بئر. غير أن ضعفها وخوارها، ووهنها وهزالها، لم يسعفها ولم يمهلها أو ينظرها.
إنهارت وسقطت، وهوت ووقعت، وتردت خائرة مغمية، مغشي عنها متردية.
نادت (فطومة) على زوجها بصوت لين، وطيىء هين، قائلة (افقير محند، لدينا ضيوف).
كيفت حنجرتها، ولطفت من صوتها، كي لا تزعج أبناءها النائمين، ولا تقلقهم أو توقظهم، فيشهدوا ما يرعبهم، ويروا ما يقض مضجعهم.
حين سمع (محند) كلام زوجته، ووصلته رسالة حليلته، علم قصدها، وعرف مرادها.
فهم ما لم تقله أو تبح به، ووعى ما لم تكشف عليه وتخبره به.
(فحدو) ليس ضيفا، ولا أحد من معارفهم يزورهم في مثل هذا الوقت من النهار، وهذا الإبكار.
أصبح لكلمة (ضيف) معنى خاصا، وأضحى لها مغزى مغايرا، لدى (فطومة) وأهل البلدة، حيث إستقر معناها على قدوم أجانب من القرى المجاورة وحضور الغرباء، ووفود أناس من كل صوب وجانب ومن شتى الأنحاء.
أناس غلبتهم المعاناة والهلكة، وأذلتهم الفاقة والشدة، فأشرفوا على الموت، وأنافوا على الهلاك، فخرجوا على وجوههم هائمين، ضالين تائهين.
كانت النساء أكثر القادمين، وأغلب الوافدين، من مداشر وبلدات مجاورة، وأحياء قريبة ومحاذية. يأتين هربا من قدرهن، وفرارا من فاقتهن، وقد هد الجوع جسدهن وكسر عودهن وأعمى أبصارهن، أو كاد يفعل.
إقترب (محند) من المرأة، نظر إليها وعاينها، ثم قال (لن تعيش طويلا).
أصبح الأمر عاديا مألوفا، متكررا معتادا ومعروفا، حيث صار الموت، إما جوعا أو مرضا، أمرا باديا ظاهرا عرضا، وأصبح قدرا محتوما، وغدا طريقا مرسوما، وسبيلا ظاهرا معلوما، لا مفر من براثينه، ولا إفلات من قبضته.
تعاون (محند) مع زوجته وحملا الغريبة إلى الإصطبل، ثم لفاها بالتبن، وغطاها بالخشاش، عساها تدفأ وتطيب، والصرد عنها ينتفي ويغيب.
جعلوها بالإصطبل مخافة إنتقال العدوى، واتقاء وهربا من المصيبة والبلوى.
وهم على تلك الحال، وبأمر المرأة وشأنها في انشغال، إذا ب (حدو) يحضر ويصل، وإلى الدار يلج ويدخل.
بعد تناول الإفطار سأل (حدو)
(متى ننطلق يا (محند)؟)
رد (محند)
(لا أدري، يجب أن أنظر حال المرأة، وأرقب مآلها. لن أتركها بالدار وأنا لا أدري عاقبتها ومنقلبها).
قالت (فطومة)
(إنطلقا إلى عملكما سأتكفل بها)
رد (محند)
(ماذا إن ماتت؟)
سكت الجميع وخيم الصمت على الغرفة إلا من أنفاس الأطفال الذين استغرقوا في نومهم.
إنتفضت فطومة وقامت، وأخذت شيئا من الماء وبعض الخبز ثم قالت (سأنظر حالتها وصفتها، ربما تحسنت وصفت، وتعافت وطابت، فأعطيها ما تأكل، عساها تتقوى وتتجلد).
دخلت (فطومة) على الغريبة وهي مستلقية، فإذا بها جثة هامدة، ساكنة خامدة، لا تتحرك ولا تتنفس، لا تخفق ولا تنبض.
حاولت (فطومة) إيقاظها وتحريكها، وسعت لهدهدتها وتنبيهها، إلا أن القضاء سبق وأمره حسم، والقدر نزل وألزم وحكم.
إنطلق (محند) و(حدو) نحو مقبرة (سيذي مسعود) حاملين الجثة، مهللين ومكبرين.
بالطريق، مرا على (سي اعمر) إمام المسجد الذي اصطحب ولده للصلاة على المرأة، وليساعدهم في دفنها، ويعينهم في مواراة سوأتها.
رجع سي البشير من عند (امحند لاركو) وقد باعه البقرة، باعها بثمن بخس (دورويات) معدودة، وبمقابل ضئيل يسير.
لم يدفع (امحند لاركو) مقابل البقرة إلا القليل، ليقينه أن لا عوض (لسي البشير) ولا بديل، ولا حل له ولا سبيل.
(امحند لاركو) من أعيان الحاكم الإسباني وعيونه في البلدة، ومن مخبريه ورجالاته في القبيلة. يحظى بدعم خاص، ويحصل على معونة وسند من الحاكم العسكري الإسباني، وذلك من خلال (البونات) التي توزع وتعطى للناس.
(البونات) التي خصصت أصلا للمعوزين والفقراء من الناس، غير أن توزيعها رافقه فساد وسرقة واختلاس، فحرم منها المسكين ونالها من لا يحتاجها بالأساس، من عديمي الخلق والإحساس.
(امحند لاركو) رجل بدين، قصير، لا يحبه أحد من أهل البلدة ولا يطيقه، إلا أن حاجتهم وافتقارهم، جعلت الناس تتودد إليه، وتتقرب منه، عساهم ينالون منه حضوة وحسنة، أو يفوزون بعطية وصدقة.
عرف باستغلاله لفقر الناس وعوزهم، وعلم بانتهازيته واستفادته من فاقتهم وحاجتهم. يرى ضعفهم فرصة له، وحاجتهم وعجزهم سبيله للغنى وطريقه.
عاد (سي البشير) إلى البيت. إستقبله أهل الدار والحزن قد أرخى ألوانه، وأسدل أستاره، وأرسل ظلامه، نظر إليهم وقال بصوت جش رخم (هل أنتم جاهزون؟)
رد (أحمد) (أجل يا أبي، نحن جاهزون)
قال (إذن على بركة الله)
إنطلق الكل ومشى وسار، بينما تأخرت (تلايثماس) عنهم وأبطأت بالدار. عاد إليها (سي البشير)، فإذا بها تتمسح بحائط الدار وتقبله وتبكي، وحالها ترثي وحزنها تشكي.
إقترب منها بهدوء وسكينة، وأناة وروية، ثم وضع يده على كتفها، وربط عليها، وقال (سنعود قريبا إن شاء الله)
نظرت إليه نظرة حزن وحرقة وكآبة، ثم أخفضت بصرها ومشت في طاعة وقبول واستجابة، دون حديث أو كلام وفي حلم ومهابة.
كانت علاقة (سي البشير) بزوجته علاقة حب واحترام، ومودة ووئام. يخالف بذلك الكثير مما تعارف القوم عليه، ودرج وتعود الناس عليه، وشاع وتربت الأجيال عليه.
يستشيرها في ما جد من أموره، ويعرض عليها أفكاره وشؤونه، فلا يبرم أمرا إلا إذا أيدته ووافقت عليه، ولا يقر قرارا إلا إذا ساندته وباركته ورضيت به، إلا أن يكون شيئا لا مناص منه، ولا عدل عنه، كما هو الحال في الهجرة إلى الجزائر، فلا ينفع المطل والتسويف، ولا يجدي النقاش أو التكييف.
تقاسم كل من (أحمد)، (الوازنة) و(سليمان) حمل متاع السفر، وتشاركوا في نقل زاد الرحلة، وتحمل كل منهم جزء ونصيبا، وسهما وقسطا.
لم يتعد المتاع بعض الفراش وقليلا من الماء وشيئا من الأكل. بينما مشت أختهم الصغرى، (فاطمة)، ذات السنوات السبعة دون حمل أو ثقل.
(فاطمة) أصغر أولاد (سي البشير) وقرة عينه، وأحب أولاده إليه، وأقربهم إلى قلبه. خفيفة الظل، سريعة الحركة، طيبة ظريفة لبقة. يقربها (سي البشير) منه ويحابيها، ويدلعها ويدللها، حتى أن (تلايثماس) كثيرا ما تنتقد فعله وتستنكره، وتآخذه بالأمر وتعيبه عليه، وتستنكر منه ذلك وتؤنبه.
فيجيب ضاحكا، ممازحا (هذه آخر العنقود، فلا حرج!)
إنطلق السير باتجاه (زايو) كمرحلة أولى.
لم يكن الطريق سهلا أو معبدا، ولا يسيرا أو ممهدا، فالسلاسل الجبلية التي تفصل (زايو) عن (كبدانة) وعرة قاسية، شديدة الطلب صعبة عسيرة الممر، لكن الرغبة في الوصول، والتطلع للبلوغ، والإرادة في قهر المصاعب، ييسر العسير ويطوي المسافات، ويقرب البعيد.
مشت القافلة لساعات…
في هذه الآونة، وعلى الجهة الأخرى، شرق (كبدانة)، حزم (محند) و(حدو) أمتعتهم وجمعوا حمولتهم، للإنطلاق والسفر، والرحيل والإنتقال نحو (وجدة) لإيصال ما أحضره (محند) من مليلية من سلع ومتاع.
يعتبر الزعفران أكثر السلع درا للربح، وأعلاها مغنما وجنيا. لكن العقوبة التي يفرضها الحاكم الفرنسي على تهريبها وبيعها بالسوق السوداء، شديدة قاسية، وعظيمة مغلظة، تصل إلى سنوات من السجن، وأعوام من الحبس. لذا كانت التجارة بها مغامرة محفوفة بالمخاطر، مسيجة بالمهالك، مرهونة بالمجازفة.
إلا أن (محند) بهمته وعزيمة، وشدته وشكيمته، لم يكن الأمر ليخيفه أو يرهبه، أو يمنعه ويثنيه.
وضع حمولته على ظهره، وما فيها من زعفران، ثبت الحزام واستوثق من الرباط، ثم انطلق بمعية (حدو) متجهين نحو (وجدة)، على أن تكون محطتهم المقبلة هي (زايو).
بعد ساعات من المشي والسير، والسعي والهرولة حينا، والتأني والتمهل أخرى، ركن (محند) وصاحبه لمكان منخفض يستريحا فيه، ويريحا النفس من الجهد والكد، والتعب والعياء.
أرسل (محند) نظره يقلب المكان ويتفحصه، ويستقصي الجوار ويفتشه، فهو لا يثق بأحد ولا يأمن لحال، ولا يقر له بال، حتى عند جلوسه واستراحته، أو أمنه وسكينته، فلا يضع حمولته أبدا، ولا يتركها أو يبتعد عنها …
وهو كذلك، إذا به يلحظ من بعيد مجموعة من أناس تدب في اتجاههم، وتسري في ناحيتهم.
لم تكن هذه المجموعة سوى (سي البشير أمقران) وعائلته.
نظر (محند) إلى (حدو) وقال(يبدو أن هناك من سيصحبنا في الطريق، ويرافقنا بالرحلة).
إرتديت معطفي وجمعت أغراضي وصففت الأوراق التي طبعتها أثناء تصفحي للأرشيف الألماني ثم انطلقت.
إستطعت الحصول على بعض المعلومات، وأدركت بعض البيانات.
بعد ساعات من البحث والتنقيب، والتفتيش والتمحيص، تمكنت من حصر دائرة الشك، وحبس خانة التقدير، في ثلاث شخصيات، إستوفت الشروط، وانطبقت عليها المواصفات.
الغريب في الأمر والعجيب فيه، أنه إضافة إلى أن هؤلاء الثلاث زاروا (المغرب)، وكانت لهم تعاملات تجارية، وصفقات مالية، مع الحاكم العسكري الإسباني في شمال (المغرب)، أو من ينوب عنه ويقوم مقامه، أن الأشخاص الثلاثة كانت لهم بنتا واحدة.
الأول من مدينة (ميونيخ)، والثاني من (فيسبادن) أما الثالث فيحكي الأرشيف أنه تزوج بإسبانية وأقام (بمدريد).
لم يكن ما حصلت عليه من معلومات واستقيته من أخبار عن الأشخاص الثلاثة، الذين قد يكون أحدهم هو السيد (برات) الذي أبحث عن تاريخه، وبقية آثاره، مقنعة ولا مرضية.
عدت إلى الدار مساء وأنا محبط بسبب قلة ما بيدي من حقائق، وشح ما أحرزت من وقائع.
مر يومان، إنقضت الإجازة القصيرة التى أخذتها واستأنفت العمل.
بعد انتهائي اليوم من الدوام، قفلت عائدا للبيت، راجعا للدار، وقد أظلم الحال وأدجى الليل.
تعتبر أيام دجنبر أقصر أيام السنة في ألمانيا، وأشدها بردا، وأقلها بزوغا للشمس وظهورا لها. وقفت عند المحطة أنتظر وصول القطار ومروره، وقد إشتد البرد، وبدأت الثلوج تتساقط مجددا.
تأخر القطار. تناولت هاتفي الجوال وأخذت أتصفح الرسائل التي وفدت على بريدي الإلكتروني.
وأنا كذلك إذا بالهاتف يرن.
نظرت إلى الهاتف فإذا بصديقي (عبد الله) يتصل.
(عبد الله)، شاب في عقده الرابع، قدم إلى ألمانيا قبل عشرين عاما وأتم دراسته في جامعة (فرنكفورت). والده، عمي (الحاج العربي) من أبناء كبدانة الذين إنتقلوا الى ألمانيا قبل خمسين عاما، حين كان شابا وسيما مليحا أنيقا مشرقا، لم يبلغ العشرين من عمره.
تحدثت قبل أسبوعين مع عبد الله في موضوع المرأة و(فيرما أوليمان).
سألته يومها أن يستفسر من أبيه، ويستعلم منه، ويسأله، إن كان يتذكر شيئا من مهامه، وبعضا من صلاحياته، في (فيرما أوليمان)، يوم أن كان بها عاملا، وفيها مشتغلا، يوم كان رزقه منها يتكسب، وفيها يكد ويكدح ويتعب.
أخذت الهاتف وتحدثت إلى (عبد الله) وأجبته.
بدا على غير عادته قلقا مستعجلا.
قال ( إسمع، أود أن أخبرك بأمر.)
قلت (خيرا، تفضل)
قال (يقول لك أبي دع أمر المرأة التي رأيت في فيرما أوليمان ولا تبحث فيه).
إبتسمت، ثم ضحكت. ظننتها طرفة ودعابة، وحسبتها مزحة وفكاهة، لكنه أسعفني مباشرة وقال(أبي يخبرك أن تتوقف عن البحث في أمر العجوز).
قلت (قد أضحكتني حقا!)
قال وبنبرة قوية حادة (أبي يطلب منك أن تمسك عن الأمر وتتوقف!)
ظهرت لي جدية كلامه، واستيقنت من عدم مزاحه، فقلت (عجبا لك ولأ بيك. لماذا علي أن أتوقف عن البحث والتنقيب؟ ما الذي يضره في ذلك، وماذا يزعجه؟)
قال (أحببت فقط أن أوصل إليك رسالة أبي.)
ثم أقفل هاتفه.
(يتبع)
فيرما أوليمان/شركة اﻷلماني (3/1)
فيرما أوليمان/شركة اﻷلماني (3/2)



ما شاء الله عليك في كل مرة…واصل
السلام عليكم
عجيب انت.. كأنك عشت حقبتها اخي الكريم.. تبارك الله عليك يا استاذ ميمون الحسيني..
الله على زمان اولأئك الشرفاء اهل النية والصدق والأخلاص والوفاء.. اصحاب اسماء ما قبل ركوب السيارة.. منذ ما يزيد عن قرن من الزمان..
وقت البشير- وقدور- ودودوح- ومحند- وحماد- والبكاي- وبوعزاء- والطاهر- وامبارك- ومسعود- والى آخره..
ومن النساء:
منهن مامات- وارقية- وفطومة- واثلايثماس- واعويشة- وفاطنة- ورحمة- وثعنانت- ونونوت- وفاظمة- وخدوج- ومنوش- والصافية- رغم ظروف العيش القاسية التي كانو يواجهونها.. الا انهم كانوا متعاونين فيما بينهم في جميع أمورهم وأحوالهم.. رحم الله أولئك الطيبين.