zaiocity.net | زايوسيتي.نت
  • الرئيسية
  • الأخبار المحلية
  • وطنية ودولية
  • الجالية
  • الريف
  • الشرق
  • سبتة ومليلية
  • الرياضية
  • صوت وصورة
  • حرية التعبير
  • زايو سيتي TV
  • الأرشيف
  • اتصل بنا
No Result
عرض كل النتائج
  • الرئيسية
  • الأخبار المحلية
  • وطنية ودولية
  • الجالية
  • الريف
  • الشرق
  • سبتة ومليلية
  • الرياضية
  • صوت وصورة
  • حرية التعبير
  • زايو سيتي TV
  • الأرشيف
  • اتصل بنا
No Result
عرض كل النتائج
No Result
عرض كل النتائج
zaiocity.net | زايوسيتي.نت
Home مسار
فيرما أوليمان: أصل الحكاية (الفصل السابع)

فيرما أوليمان: أصل الحكاية (الفصل السابع)

أبريل 11, 2016
وقت القراءة: 2 mins read
A A

(بقلم ميمون الحسيني)
=========
(تنبيه وتنويه: هذه القصة بكل أجزائها وفصولها ليست بحثا علميا ولا سردا تاريخيا. وأي تشابه في الأحداث أو الأدوار أو الأشخاص أو الأسماء لا يعدو أن يكون صدفة أو أمرا عرضا لا اعتبار له. والكاتب بريء من أي إنزال لوقائعها على أحداث معينة أو تواريخ مشابهة)
=========
عدت إلى الدار منهكا مرهقا، مكدودا متحيرا. أخذت أقلب الأمر من جوانبه وقد عجبت من مجريات القدر وأسراره وحكمته وتدابيره. أصابني الأرق وجافاني النوم من كثرة التفكر والإهتمام بما حدث وكان.
شغلني موقف (الحاج العربي) فأخذت أبحث عن طريق يقنعه وسبيل يرضيه حتى يسلِّم، فيفصح لي عما بنفسه ويكشف عما يخالج خواطره. فكرت مليا بشأنه ثم رأيت أن أزوره وقررت أن أحادثه وأكلمه.
لم أجد أمثل ولا أفضل من أن ألتقي به في المسجد، فهذا سيرفع الحرج ويقلل من الرسميات مقارنة بزيارته في البيت، وسوف يغنيني عن ضرب المواعيد وترتيب اللقاء معه.
إنتظرت يوم السبت وانطلقت بسيارتي نحو مسجد (عقبة) جنوب غرب (فرنكفورت) حيث يصلي (الحاج العربي) عادة. لم يبق على صلاة الظهر سوى نصف ساعة من الزمن.
حين دخلت المسجد وجدته منزويا في أحد أركانه، مختليا بنفسه، يصلي ما شاء الله له أن يصلي. انتظرت إلى أن أتم صلاته وفرغ من شأنه ثم إقتربت منه. تبادلنا التحية والسلام وسألني عن حال أبي وأعمامي فأخبرته بما سر قلبه وانشرح له صدره.
بعد انقضاء الصلاة وقفنا بعض الوقت في ساحة المسجد الواسعة وتبادلنا أطراف الحديث. كلما هممت بسؤاله عن الأمر الذي لأجله حضرت ولسببه عليه وفدت، إلا وترددت وارتبكت، وتحيرت وأحجمت.
مضت بضع دقائق على تلك الحال، وأنا مقدم متشجع حينا، محجم متهيب حينا آخر، فإذا بي ألحظ رغبته في الإنصراف، وأحس بميله للرحيل. حينها أجمعت أمري، وحسمت خلافي، وقد غلب الفضول وحب المعرفة على التردد والحيرة ثم قلت (بلغني أنه قد أساءك تصرفي حين نبشت الذاكرة وبحثت في تاريخ فيرما أوليمان). ثم سكت.
ما إن أتممت كلماتي ووقرت بأذنيه عباراتي حتى نظر إلي نظرة عميقة غريبة، عجبت لأمرها وتحيرت لشأنها، إذ ما عهدت لها منه مثيلا ولا رأيت لها منه صنوا أو رديفا.
مرت لحظات وقد ساد الصمت بيننا وأم المكان وخيم السكوت والسكون على المقام ثم استدركت أمري وأردفت (أرجو أن لا أكون ضايقتك بسؤالي أو أزعجتك بكلامي!)
استدار نحو الباب ومشى مبتعدا عني مدبرا دون أن يحدث بشيء أو ينطق بكلمة. أحسست بالحرج، وشعرت بالضيق، وآلمني ما رأيت منه، وأدركت أنني ارتكبت خطأ جسيما واجترحت ذنبا عظيما بما بدر مني وصدر عني.
احترت في أمري وضعفت حيلتي فلم أدر ما أصنع أو أقول. أتبعته نظراتي وهو يبتعد وينأى وأنا آسف ندمان متحسر على استعجالي وقلة تبصري.
تابع مشيه بخطوات ثابتة رصينة حتى كاد يغيب عن بصري ثم توقف. إستقبلني ونظر إلي ثم قال (يبدو أنه لن يثنيك شيء عن البحث والنبش في الماضي!)
خفت أن أحدث بكلام غير مناسب أو أرد بجواب غير لائق فآثرت السكوت وأومأت برأسي ورفعت يدي إلى صدري إشارة مني باﻹمتنان لعونه والشكر على صبره وسعة صدره، أو كذلك قدرت.
هز رأسه وقال (اتبعني إذن، فإني أدعوك إلى طعام الغداء).
حلت كلماته كالصاعقة على نفسي. لم أكن أطمع بأكثر من بضع كلمات منه أو أجوبة مقتضبة بحديثه، فإذا به يدعوني إلى طعام الغداء وجلسة لا شك طويلة مستفيضة. قلت في نفسي إنها لعمري فرصة العمر.
استقل عربته وتبعته بسيارتي فأخذنا نشق الطرقات إلى أن وصلنا مطعما يقدم أكلات البيتزا. جلسنا إلى إحدى الطاولات وطلبنا وجبة الغداء.
قلت له والفرح يغمرني والسرور يكتنفني (عمي الحاج، أنت دعوتني وأنا سأحاسب صاحب المطعم).
قطب حاجبيه وقال (أتهزأ من عمك؟).
قلت (لا والله، بل أردت أن أكرمك على حسن صنيعك وأشكرك على منك وتفضلك).
قال (إذن فاصمت وأعرني سمعك، ولا تتكلم إلا إذا أذنت لك).
=============================
مرت الأيام. اشتد عود الشاب الذي أصبح اسمه حديث كل لسان، فعظم شأنه وسطع نجمه وصار يشار إليه بالبنان. تمكن (العربي) من استمالة السيد (برات) فأصبح صاحب الأمر والنهي في (فيرما أوليمان).
تعرف على (إيفون) عن قرب فنشأت بينهما مودة وأيفع بينهما تلاطف مافتئ أن تطور ونما فتحول إلى صبوة ووداد، وولع وهيام فقررا الزواج والإقتران.
أعجب (العربي) (بإيفون) حقا. لكن هدفه كان أكبر من زوجة يرتبط بها، أو أسرة يبنيها، إذ علم أن طريق المجد والغنى، وسبيل الفلاح والإرتقاء يبدأ بمصاهرة السيد (برات). غير أنه يدري ويوقن أن الأمر ليس بالسهل ولا الهين فمحال أن يقبل السيد (برات) هذه الزيجة ومستبعد أن يرضى بهذا النكاح.
فكر مليا وكتم أمره بداية حتى يجد حلا ويهتدي ويوفق لسبيل.
كان من بين العاملين تحت إمرته وقيادته فتاة تسمى (اهْنية).
(اهْنية) فتاة في عقدها الثالث، إلتحقت (بفيرما أوليمات) قبل أشهر. في بداية الأمر رفض (العربي) تشغيلها واستخدامها، إذ كانت ساذجة غشيمة، موصوفة بالعته والبلادة، غير محسنة لشيء ولا متقنة أو محكمة لأمر. ترجى والدها عمي (بغداد) (العربي) فاستخدمها حياء وحشمة منه.
مع مرور الأيام تبين له خطأه وأدرك غلطه. أخذ زملاؤها يستهزئون منها ويسخرون من عملها وصنيعها. كان (العربي) بالرغم من حزمه وجديته، وترفعه عن الإساءة إليها بل ومعاتبة من فعل ذلك من العمال، إلا أنه ينساق أحيانا فلا يتمالك نفسه ولا يتماسك فينفجر ضاحكا مقهقها من فعل أتته (اهنية) أو كلام تفوهت وتلفظت به.
ومرت الأيام..
استعجل (العربي) أمره فصار يتملق للسيد (برات) ويصانعه فيبادر ﻹضحاكه والترفيه عنه إن رأى منه حزنا أو كدرا، ويسارع لتلبية طلباته وتنفيذ أوامره.
قبل أسبوع خطر بباله اﻹستعانة (باهْنية) على أمره، واستعمالها لبلوغ وإدراك مطمعه، فاستدعاها بحضرة السيد (برات) وطلب منها أن تقوم بتشغيل الماكنة المخصصة بطحن الدوم والحلفاء.
كان يعلم جهلها بذلك وعدم درايتها وقدرتها على التحكم بالماكنة فأراد أن يتبسط من ذلك ويضحك منه ويضحك (السيد برات) لتلطيف الجو معه ومسامرته.
ترددت (اهْنية) بداية ورفضت، لكنها أذعنت ورضخت حين هددها بالطرد من العمل، وتوعدها بالفصل والتسريح. لم يقصد (العربي) ما قاله، ولم يعن ما صرح به، إنما أرادها أن تذعن لأمره، وتستجيب لطلبه، كي ينال حظوته لدى رئيسه ويصل إلى مبتغاه منه وغرضه.
لاحظ العمال ما يدور بينهما وانتبهوا لحديثهما فاجتمعوا وهم يراقبون (اهْنية) ويضحكون من أمرها ويقهقهون من تصرفها وصنيعها. بدأت بسحب ذراع التحكم بالماكنة ثم جعلتها تدور و(العربي) يشير عليها ويبين لها ما يتوجب فعله والقيام به. تمكنت (اهْنية) من طحن وتفتيت بعض الدوم والحلفاء فابتهجت لذلك وفرحت. بدت كطفلة صغيرة تتلهى بلعبتها أو تتسلى بدميتها. إرتفعت الضحكات وعلت القهقهات من كل جانب، حتى السيد (برات) لم يتمالك نفسه فكاد يسقط أرضا من شدة الضحك.
تراجع (العربي) وابتعد عن الماكنة وترك (اهْنية) بجانبها. أعجبت بنفسها فأخذت تتلمس أجزاء الماكنة والمحرك فيها يدير السكاكين واﻷمشطة الحديدية وتطحن كل ما يقع في فوهتها.
وهي كذلك وقد ابتعد (العربي) بضعة أمتار عنها، إذا بإزارها يسقط في فوهة الماكنة ويعلق بها، فصرخت…
سحبت الماكنة لباسها وجذبته. انتبه (العربي) واستدار نحوها بعد أن سمع صياحها وعويل النساء وانذارات الشباب قبالته. حاول أن يسرع ﻹدراكها والحلول بينها وبين وقوعها في فوهة الماكنة.
واصلت اﻵلة اللعينة جذبها وكأنها وحش مفترس فتح فيه يتهيأ ليلتهمها ويتأهب لينهش لحمها. حاولت المسكينة أن تتقي فوهة الماكنة بيدها اليمنى وتتحاشاها بها وهي تصرخ وتستغيث وتصيح وتنادي.
أمسك (العربي) بذراعها اليسرى وحاول إبعادها عن الماكنة وإنقاذها من حتفها وهلاكها، لكن القدر سبق وأمضى أمره وتقدم وأجرى قلمه. انقضت عليها الماكنة وأمسكتها بذراعها اليمنى وتابعت سحبها وجرها.
ارتبك (العربي) وبهت. أخذ ينظر إليها وقد دهش وذهل، وارتعد قلبه وارتعش، واسطكت أسنانه وقفقف. هرع إليهما العمال وحاولوا إستخلاصها من فوهة الماكنة وإبعادها عن مقصاتها.
مرت لحظات قليلة كأنها الدهر. التف بعض من ثيابها حول أمشط الماكنة والتوى جزء من ردائها حول مقصاتها فانحبست اﻵلة وتوقفت عن الدوران بعد أن سحقت عظام يدها اليمنى وذراعها.
علا صياح الفتيات والنساء وأصيب بعضهن بالإغماء. انتشر الهلع والفزع بين الحاضرين من هول ما رأوا وعاينوا وساد الذعر والرعب.
بعد جهد جهيد وعناء شديد تمكن الشباب من حمل المسكينة ووضعها على الأرض والدماء تسيل منها كمياه النهر وتجري من ذراعها كانفجار العين.
إنطلق أحد الشبان مسرعا يطلب أب الفتاة ليعلمه بمصابه ويخبره بفاجعته ونكبته، عله يحضر فيرى ابنته وعساه يأتي ويقبل قبل فوات الأوان.
مرت لحظات وقد اسودت الوجوه وادلهمت، وسالت الدموع وانهمرت، وفزعت القلوب وهلعت. والناس كذلك إذا بالمسكينة تحتضر وتلفظ أنفاسها الأخيرة وتسلم روحها لبارئها دون كثير حركة أو نزع، تاركة الدنيا وراءها راحلة عنها إلى مثواها اﻷخير مقبلة على خالقها.
هتف أحدهم بصوت شجي حزين (لقد ماتت اهْنية! لقد ماتت المسكينة) فإذا بالصياح يعلو مجددا ويرتفع، والمكان يعج بالبكاء والنحيب.
أقبل الأب مسرعا تصحبه زوجته يشقان الصفوف يبحثان عن إبنتهما (اهْنية). ما أن بلغا مكان الحادث ووقع بصرهما على الجثة الهامدة والدماء تنتشر بأرجاء المكان حتى أطلقا صرخة عظيمة تكاد تخر منها الجبال وتشيب لها الولدان والناس تنظر وتعاين، فلا يدري أحدهم أفي حلم وكابوس هو، فيرجو ذهابه ويتمنى زواله، أم هو الحق المر والواقع اﻷليم، بل وسوء التدبير والتقدير، والطيش والتهور الذي ذهبت المسكينة (اهْنية) ضحية له.
لم تقو أم (اهْنية) على الوقوف ولم تقدر على الصمود أمام هول مصابها. عجزت قدماها على حملها فجثت على الأرض وضمت جثة ابنتها إلى صدرها فتلطخت ثيابها بالدماء وسالت دموعها حتى ارتوت الأرض من حولها.
زاد مشهد الأم، وهي تنتحب وتندب وتستغيث وتستجير، الحال رهبة، وأضفى على المقام حزنا وشجنا، وأسدل عليه سوادا ودكنا. أخذت تنظر لجثة ابنتها فتناديها وتخاطبها حينا، وتتوجه الى من حولها مخاطبة حينا آخر. تسألها وتخاطبها كأنها حية ترزق (من فعل بك هذا يا صغيرتي؟)، فإذا هي استبطأت جوابها إتجهت مجددا إلى من حولها فتسألهم عن سبب امتناع ابنتها الرد عليها.
طال بكاؤها وامتد، وعلا صراخها واشتد. لم يجرؤ أحد على التحدث إليها أو مخاطبتها. ظل الحال كذلك لساعة من الزمن والناس تنظر وتترقب، وتراقب وتتحسب، حتى انهارت وأغمي عنها.
لم يشهد أهل (كبدانة) فاجعة كفاجعة اليوم، ولم يصبهم حزن وكدر كالذي حل اليوم بدارهم، ولم تنزل بهم شدة أو نائبة كالتي عاينوا اليوم. يوم أسود مظلم حزين شجي.
كل هذا و(العربي) مستكين مرتكن إلى زاوية، ممسك عن الكلام ممتنع محجم عن الحديث. قابع مكانه لا يتحرك ولا يبرح مكانه، كأن صاعقة نزلت به فشلت أطرافه وأخرصت لسانه.
بعد الزوال تم تجهيز (اهْنية) لمثواها الأخير. تقدم (سي البشير أمقران) يؤم الناس للصلاة عليها والدعاء لها. حضر (محند)، (حدو) وكل أهل كبدانة لتشييعها في جنازة مهيبة، وتوديعها في مقام عظيم جلل، ثم ووريت الثرى.
في اليوم التالي انطلق السيد (برات) بصحبة قائد المنطقة وبوساطة منه نحو دار (بغداد) لتعويضه عن وفاة ابنته (اهْنية). لم يزد التعويض عن مائة (دورو) وبعض الكلمات المواسية.
تناول (بغداد) المال وأخذ يقلبه بين يديه والدمع يسيل على خده والحزن والأسى هد جسده وكاد يرديه ويتلف نفسه. أما (مغنية) أم (اهْنية) فلم تبرح فراشها من شدة المرض ولم تفارق غرفتها من هول المصاب وروعه.
مرت الأيام.
أعاد السيد (برات) فتح الشركة بعد إغلاقها لأسبوعين على وقع الحادث الأليم فعاد العمال شبابا وشابات إلى أعمالهم والتحقوا بمراكز شغلهم. صار الحزن سمة الجميع، وأصبح الأسى والغم والكمد شية الكل. توقفت الأهازيج وغابت الأماديح التي كانت ترتل من قبل الفتيات وحل محله صمت وسكون واكبه ابتئاس وشجون.
حضر كل العمال والتحقوا بالشركة إلا (العربي).
أرسل السيد (برات) في طلبه وأوفد البستاني إلى داره. امتنع (العربي) عن الحضور وأحجم، ورفض اﻹلتحاق بالعمل أو القدوم على رئيسه. لم يكن السيد (برات) يعلم أن (العربي) قد قرر الرحيل عن (كبدانة) ومفارقتها، إذ لم يعد يهنأ له فيها بال أو يستقر فيها على حال. كانت صورة الجثة الهامدة والدماء المنتشرة حولها تقض مضجعه وتؤرق ليله، فقرر الرحيل والإبتعاد عن كل شيء يذكره بالحادث.
احتار إلى أين يذهب وفي أي اتجاه يسير، إذ ما عدا رحلته إلى (زايو) قبل عشرة أعوام برفقة أبيه، لم يسبق له أن ترك كبدانة أو غاب عنها.
لم يكن السيد (برات) الوحيد الذي يسعى في طلبه والبحث عنه، بل كانت (إيفون) أيضا لا تدخر جهدا في السؤال عنه وتقصي أخباره. حين أعيتها الحيلة وانقطعت بها الأسباب، قررت زيارته والوفود عليه بداره.
امتطت حصانها واصطحبت البستاني وانطلقا حتى بلغا دار (العربي).
بعد حديث طويل ونقاش مستفيض، تأكدت (إيفون) من إستحالة ثني (العربي) عن مراده والحلول بينه وبين بغيته ورغبته في السفر والإبتعاد عن (كبدانة)، فقررت إعانته ومساعدته، شرط أن يكون الرحيل إلى ألمانيا.
قلب (العربي) اﻷمر من جوانبه واحتار في رأيه، إذ بالرغم من إزماعه على مفارقة (كبدانة)، وتصميمه الخروج منها، إلا أنه ما كان يتصور أن يبتعد كل هذا البعد، وأن يرحل إلى بلد لا يدري عنه شيئا ولا يعرف من أهله أحدا. ثم بدا له وكأن خياراته انحصرت في عرض (إيفون) وانحبست فيه، خاصة وقد وعدته باصطحابه والقيام على أمره ومساعدته في الحصول على سكن وعمل. تردد كثيرا لكنه بنهاية اﻷمر رضخ لطلبها ورضي برأيها وقرر السفر الى ألمانيا.
لم يكن يدري أن قراره بالهجرة إلى ألمانيا سيكون فيصلا في تاريخ (كبدانة) وأهلها بل والمناطق المجاورة لها. لم يكن يعلم أنه قد سن سنة ستسري لمئة عام بعده. لم يكن يدري أن أغلب أهل (كبدانة) سيهاجرون كما هاجر هو ويلتحقون به ويسكن أغلبهم ألمانيا موطن السيد (برات) و(إيفون).
مر يومان. تهيأ (العربي) للسفر وتجهز للرحيل، جمع أمتعته وشد أغراضه ثم أخذ يودع بعض أصدقائه وأقاربه. وهو كذلك إذا بأحد الشباب العاملين (بفيرما أوليمان) يفد عليه ويطرق الباب بشدة وعنف حتى خيل لمن بالدار أن الساعة قد قامت و يوم البعث والحشر قد أفد وآن. حين دخل الرجل أخذ يلهث ويلهج وكأنه فر من الوغى ونكص، وعن ساحة القتال أدبر وتولى، أو أن وحشا ضاريا في عقبه ومفترسا شرسا في أثره.
قبل نصف ساعة من ذلك انطلقت (فاطمة بنت السي البشير) مع زميلاتها بين أجنحة (فيرما أوليمان) كعادتهن يتعاون على جر بعض أكياس الحلفاء والدوم ويتضافرن على جلبها وتقريبها لاستعمالها وطحنها. مرت (فاطمة) قبالة الباب الكبير بالجهة اليمنى قريبا من شجرة تين أينعت واستوت، وكثر ورقها واخضرت. شجرة شتلها (العربي) وحرص على سقيها والإعتناء بها.
وهي ماشية رمقت (فاطمة) الشجرة من طرف عين. تابعت مشيتها، ثم توقفت.
إشتد خفقان قلبها وتسارعت نبضاته، أحست برهبة وخوف شديدين وانتابها الذعر فشعرت به كلحاف ارتدته أو إزار اكتست به جعل جلدها يقشعر وشعيراته تنتصب وتستقيم. ترددت لبرهة ثم نظرت نحو شجرة التين مجددا أطلقت على إثرها صيحة عظيمة تجاوز صداها أسوار الشركة وانتبه لها كل من كان بالجوار.
قريبا منها وقف بعض الفتيات وقد أصابتهن الدهشة لهول الصيحة واكتنفهن الذهول لدويها. حولن بصرهن حيث تنظر (فاطمة) فإذا بهن قد أصابهن ما أصابها وحل بهن ما حل بها فانطلق الصياح والعويل.
=============================
انتبه (محند) لصوت حركة قريبة منه. تحسس حمولته وأغراضه وتأكد منها ثم أخذ ينظر ويبحث عن منبع الصوت.
مضى أكثر الليل وانقضى، وأدبر جله وولى، بزغ الفجر ووجبت الصلاة. نظر إلى مصدر الصوت فإذا به (سي البشير أمقران) يتوضأ من ماء النهر ويتهيأ للصلاة.
أخذ (محند) ينظر إليه وقد أسبغ وضوءه ثم اقترب من أبنائه يحكم غطاءهم ويمسح على رأس فتاة صغيرة ويقبل جبينها. نظر من مكانه إلى الفتاة فتبين له أنها التي شغلت بالأمس باله، وغنمت علك الصفصاف منه، وطارت بلبه حتى تمناها زوجة لولده حين يكبرا.
إنتفض، جعل حمولته على ظهره، ثم اقترب من النهر ليتوضأ ويؤدي هو الآخر صلاته.
استلقى العشرات من الناس قرب الوادى يغطون في نوم ثقيل وسبات عميق. حل بعضهم بالأمس بينما يقبع الآخرون منذ أيام على ضفة النهر ينتظرون فرجا وانكشافا لكربة العبور.
تخطى (محند) صفوف النائمين واتجه نحو (سي البشير). سلم عليه وسأله أن يصليا الصبح جمعا.
بعد فراغهما من أداء الصلاة جلسا يتسامران ويحدث بعضهما بعضا وقد عرف كل مقدم صاحبه وعلم وجهته وقبلته. إستأنس (محند) بجليسه، واستحسن كلامه، واستطاب مجلسه فطال الحديث بينهما واستفاض. علم أن (سي البشير)، كباقي الواقفين على ضفة الوادي، ينتظر من يعينه وعائلته على العبور.
سبق (لمحند) أن اجتاز نهر (ملوية) مرارا، وعبره تكرارا، فتدرب على ذلك وتمرس، وتمرن عليه واعتاده، وعلم مواطن ضعفه وقوته، ومكمن الخطر والسلامة منه.
عرض (محند) مساعدته وعونه على (سي البشير) الذي فرح واستبشر، فجاد عليه ثناء وأجزل له شكرا، ثم اتفقا على المبادرة والإسراع بالأمر، إذ لو علمت الناس خبر (محند)، وأحاطت بما له من مقدرة ومكنة على النهر، فلن يدعوه يرحل حتى يمكنهم من العبور، فكره ذلك لكثرة الناس من جهة وخوفه على متاعه من جهة أخرى.
أيقظ (سي البشير) أهله وتهيأوا للرحيل.
إقترب (محند) من النهر، وقد أحكم رباط حمولته، وتجرد من قميصه ثم ولج إلى الماء البارد ممسكا بيد (سي البشير) محيطا إياه بذراعه. أخذا يشقان غمار الوادي ويقطعان انسيابه وسيلانه إلى أن وصلا الضفة الأخرى. عاود محند الكرة متنقلا بين ضفتي النهر إلى أن عبر كل أفراد عائلة (سي البشير أمقران) جميعا والتحقوا به.
لم تكن أشعة الشمس قد بزغت بعد، لكن بصيصا من النور ظهر وبان. جفف العابرون ثيابهم وانطلقوا إلى أمرهم.
لم تطل صحبة الرجلين كثيرا، إذ بسبب حمولته سيضطر (محند) سلك طرق ملتوية وممرات وعرة ليتفادي نقاط التفتيش ويتلافي ثكنات الجيش الفرنسي المنتشرة على الطريق.
افترق الرجلان وأخذ كل طريقه، (سي البشير) مع أهله و (محند) مع صهره (حدو).
افترقا ولم يدريا أن ما وجداه من أنس في مجلسهما بالرغم من قصر مدته، ولقياه من استحسان لحديثهما على اقتضاب كلماته، لن يكون أمرا عابرا، ولا حدثا عارضا، بل موعدا ضربه القدر، وعهدا رتبته الأيام وأعدته.
=============================
وقفت (فاطمة ابنة السي البشير)، زوجة (عبد الله ابن محند) تحمل ولدها (إسماعيل) وتحفه بذراعيها محاولة تهدئته وإسكاته. أخذت تمشي به بين جنبات الدار وتنتقل من جناح إلى جناح عله يكف عن البكاء ويمسك عن الصراخ. جعلت ثديها بين شفتيه أملا منها في إرضاعه، فيهدأ ويسكن، ويقر ويهجع، إلا أنه أبى وامتنع، وأعرض ونفر.
وضعت يدها على جبينه تتحس حرارة جسمه ثم قالت لزوجها (لقد ازدادت حرارته عن الأمس. دعنا نذهب به للخالة (ثرحمونت) علنا نجد عندها دواء أو مسكنا لآلامه). أومأ (عبد الله) بالإيجاب وانتفض قائما.
(إسماعيل)، البالغ من العمر عاما ونصف العام، هو ثالث طفل لهما. قبل ستة أشهر ماتت أخته (خديجة) بمرض أصيبت به صاحبه حمى وامتناع عن الطعام دام أسبوعين.
ارتدى (عبد الله) جلبابه وانتعل حذاءه، أخذ (إسماعيل) بين يديه ثم ركب حماره وانطلق نحو الخالة (ثرحمونت).
تعتبر الخالة (ثرحمونت)، البالغة من العمر عتيا، طبيبة الحي، المتخصصة في أمرض الأطفال والصبيان، والملمة بأسرار العلاج والعقاقير. اختبرها الناس وجربوا مواهبها وعلموا مُكْنَتها وقدراتها، فجرى ذكرها على كل لسان وذاع صيتها في كل مكان. حج إليها الناس من كل صوب وحَدَب، وسلكوا إليها كل سبيل ودرب.
مشى (عبد الله) بحماره نصف ساعة من الزمن إلى أن بلغ دار الخالة (ثرحمونت). بعد أن استأذن وسلم، حدثها بأمر ولده وأخبرها بتفاصيل مرضه الذي ألَمّ به ولزمه منذ أسبوع.
تناولت الخالة (ثرحمونت) الصبي وأخذت تتلفظ بكلمات شق على (عبد الله) فهم الكثير منها، أو إدراك دلالاتها ومعانيها، لكن يبدو أنها ترتل شيئا من القرآن وتردد بعض الدعاء.
مشت نحو صندوق بآخر الغرفة المظلمة المنخفضة السقف وأحضرت سكينا وبعض الأعشاب اليابسة. تناولت السكين بيمينها وأخذت تهش به على يمين الصبي تارة وعلى شماله أخرى دون أن تتوقف عن التمتمة أو تمسك عن الهمهمة. توجهت نحو (عبد الله) وقالت (خذ هذه الاعشاب واجعل له منها بخورا لثلاث ليال قبل خلوده للنوم). ثم أردفت (إذا انقضت الليالي الثلاث فسيشفى بإذن الله).
تناول (عبد الله) البخور ثم أخرج قطعة نقدية من جيبه (وجهين) (ملح اليد) ووضعها بيد (الخالة ثرحمونت) التي لم تنظر أو تتفحص ما وقع بكفها بل جعلتها في صندوق صغير وقالت (الله يخلف). عندها استأذن (عبد الله) وانطلق عائدا إلى داره.
مر يومان والحال كذلك، فلا حرارة الصبي انخفضت ولا هو رضي بشيء مما تقدمه له أمه طعاما وشرابا. ازداد الأمر سوء فأخذت الوساوس تراود (فاطمة) و(عبد الله).
في المساء ازدادت حالة الصبي سوء ولم يعد يقوى على الصراخ أو الحركة.
بالليل لاحظت (فاطمة) من ولدها هدوء لم تعهده وسكينة لم تألفها منه منذ أن مرض. إستبشرت خيرا وتهللت أساريرها خاصة وقد رأت منه رغبة في الرضاعة وأحست منه إقبالا عليها. أوت إلى فراشها وجعلت ولدها في حضنها ثم ناولته ثديها. التقمه بشدة وأخذ يبلع وينهم بشره إلى أن نام وقر. إشتد بها التعب وأحست بالإرهاق فلم تشأ إيقاضه ونامت جالسة.
انتصف الليل. شعرت بحركة في حجرها وانتبهت لنبض فإذا به (إسماعيل) يتقلب على هيأة غريبة ويتمدد بشكل منكر عجيب.
ضمته إلى صدرها واحتضنته بذراعيها وحاولت إرضاعه. مرت لحظات ثم ألقى الصبي ما بفمه الصغيرة وزفر زفرة خرجت معها روحه.
كانت الغرفة غارقة في الظلام مدمسة، لا يرى منها شيء، فلم تستوعب (فاطمة) ما حدث ولم تدرك أن ولدها قد فارقها ورحل. حاولت إرضاعه مجددا لكن شفتا الصبي لم تتحركا ولم تقبلا على أمه.
أضاءت شمعة بجوارها. أخذت تتفحصه وتقلبه، أدنت وجهه منها مستشعرة أنفاسه متتحسسة شهيقه وزفيره دون أن تصدر منه حركة أو يرتد منه نفس. حينها علمت ما قد ألم بها، واستيقنت من مصابها وأدركت بؤسها وشقاءها.
جلجلت صرخة عظيمة في صدرها، وصلصلت عولة شديدة في أعماقها وأحست بحرارتها تنبعث من جوفها وتندفع من قرارتها، فكادت تطلقها لينهد لها العمران وينهار، وتنشق لها الأرض وتنفلق. لكنها وطدت نفسها وتثبتت، مستعينة بإيمانها مستغيثة بخالقها، فكتمت صرختها وابتلعتها فخرجت صوتا خافتا شجيا يتماشى مع أنهار الدمع المنهمر على خدها، ويتناسب مع وديان الجمر الذي أحرق فؤادها.
(يتبع)

فيرما أوليمان/شركة اﻷلماني (3/1)

فيرما أوليمان/شركة اﻷلماني (3/2)

فيرما أوليمان(الحلقة الأخيرة من الفصل الاول)

فيرما أوليمان (الجزء الرابع)فيرما أوليمان (الجزء الخامس)

فيرما أوليمان (الجزء السادس)

 

Share Tweet Email
Whatsapp zaiocity

google news zaiocity

Qries
المقال التالي
فلترأفوا..حان الوقت لإرجاع المرحوم “إلياس مزياني” إلى حضن وطنه

فلترأفوا..حان الوقت لإرجاع المرحوم "إلياس مزياني" إلى حضن وطنه

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار مقترحة

لا توجد أخبار أخرى


تأسست سنة 2011 تهتم بأخبار مدينة زايو والريف والوطن وجاليتنا المغربية بالخارج


Tel : 0536338102 / 0668262248
Email :  zaiocity.net@gmail.com

© جميع الحقوق محفوظة لموقع zaiocity.net 2025

No Result
عرض كل النتائج
  • الرئيسية
  • الأخبار المحلية
  • وطنية ودولية
  • الجالية
  • الريف
  • الشرق
  • سبتة ومليلية
  • الرياضية
  • صوت وصورة
  • حرية التعبير
  • زايو سيتي TV
  • الأرشيف
  • اتصل بنا

© جميع الحقوق محفوظة لموقع zaiocity.net 2025

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتخصيص المحتوى والإعلانات، نشارك المعلومات حول استخدامك لموقعنا مع شركائنا من الشبكات الاجتماعية وشركاء الإعلانات وتحليل البيانات الذين يمكنهم إضافة هذه المعلومات إلى معلومات أخرى تقدمها لهم أو معلومات أخرى يحصلون عليها من استخدامك لخدماتهم. موافق اقرأ أكثر
Privacy & Cookies Policy

Privacy Overview

This website uses cookies to improve your experience while you navigate through the website. Out of these, the cookies that are categorized as necessary are stored on your browser as they are essential for the working of basic functionalities of the website. We also use third-party cookies that help us analyze and understand how you use this website. These cookies will be stored in your browser only with your consent. You also have the option to opt-out of these cookies. But opting out of some of these cookies may affect your browsing experience.
Necessary
Always Enabled
Necessary cookies are absolutely essential for the website to function properly. This category only includes cookies that ensures basic functionalities and security features of the website. These cookies do not store any personal information.
Non-necessary
Any cookies that may not be particularly necessary for the website to function and is used specifically to collect user personal data via analytics, ads, other embedded contents are termed as non-necessary cookies. It is mandatory to procure user consent prior to running these cookies on your website.
SAVE & ACCEPT
n