زايو سيتي.نت سعيد قدوري
اختلف المؤرخون في اسمه، وهو في أصح الروايات، عبد شمس في الجاهلية، وعبد الرحمن بن صخر الدوسي الأزدي في الإسلام، ولقبه أبو هريرة لهِرَّة كان يحملها ويعتني بها، وكان رسول الله يدعوه أبا هرّ. وقد ولد في بادية الحجاز سنة 199 قبل الهجرة، وأمه ميمونة بنت صبيح.
كان أبو هريرة قبل أن يسلم يعيش فقيرًا معدمًا في قبيلة بعيدة عن رسول الله، يقول عن نفسه: نشأت يتيمًا، وهاجرت مسكينًا، وكنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني وعُقْبَة رجلي، فكنت أخدم إذا نزلوا، وأحدو لهم إذا ركبوا، فزوجنيها الله، فالحمد لله الذي جعل الدين قوامًا، وجعل أبا هريرة إمامًا.
أسلم على يد الصحابي الجليل الطفيل بن عمرو الدوسي، وهو من أوائل الذين أسلموا على يد الطفيل، وكان عمره حينما أسلم حوالي ست عشرة سنة.
كان للنبي الأثر الأكبر في تنشئة وتربية أبي هريرة، فمنذ أن قدم إلى النبي لم يفارقه أبدًا، وفي سنوات قليلة حصّل من العلم عن الرسول ما لم يحصله أحد من الصحابة، وكان النبي يوجِّهه كثيرًا؛ فعنه أن النبي قال له: “يا أبا هريرة، كن ورعًا تكن أعبد الناس”.
وعن أبي هريرة، أن النبي قال له: “أوصيك يا أبا هريرة بخصالٍ لا تدعهن ما بقيت”. قال: أوصني ما شئت. فقال له: “عليك بالغسل يوم الجمعة، والبكور إليها، ولا تلغ، ولا تله. وأوصيك بصيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ فإنه صيام الدهر. وأوصيك بركعتي الفجر لا تدعهما وإن صليت الليل كله؛ فإن فيهما الرغائب” قالها ثلاثًا.
قال أبو هريرة: “ما كان أحد أحفظ لحديث رسول الله مني إلا عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يعي بقلبه وأعي بقلبي، وكان يكتب وأنا لا أكتب، استأذن رسول الله في ذلك، فأذن له”. وقال البخاري: “روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل من بين صاحبٍ وتابعٍ”. وممن روى عنه من الصحابة: ابن عباس، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، وعائشة أجمعين.
عن أبي عثمان النهدي قال: تضيفت أبا هريرة سبعًا، فكان هو وامرأته وخادمه يتعقبون الليل أَثْلاثًا، يصلي هذا ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا ثم يوقظ هذا. وعن عكرمة أن أبا هريرة: كان يسبح في كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، ويقول: أسبح بقدر ذنبي.
كان ممن شهد غزوة مُؤْتة مع المسلمين؛ يقول: “شهدت مؤتة، فلما دنونا من المشركين رأينا ما لا قِبل لأحد به من العُدَّة والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب، فبرق بصري، فقال لي ثابت بن أَقْرَم: يا أبا هريرة، كأنك ترى جموعًا كثيرة؟ قلت: نعم. قال: إنك لم تشهد بدرًا معنا، إنا لم ننصر بالكثرة”.
عن أبي هريرة أن النبي لقيه في بعض طريق المدينة وهو جنب فانخنست منه، فذهب فاغتسل ثم جاء فقال: “أين كنت يا أبا هريرة؟” قال: كنت جنبًا؛ فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة. فقال: “سبحان الله! إن المسلم لا ينجس”.
عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب دعاه ليستعمله، فأبى أن يعمل له، فقال: أتكره العمل وقد طلبه من كان خيرًا منك؟! قال: مَن؟ قال: يوسف بن يعقوب عليهما السلام. فقال أبو هريرة: يوسف نبي ابن نبي، وأنا أبو هريرة ابن أميمة أخشى ثلاثًا أو اثنتين. فقال عمر: أفلا قلت خمسًا؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضي بغير حكم، وأن يضرب ظهري، وينتزع مالي، ويشتم عرضي.
كان أبو هريرة صاحب أثر كبير في كل مَن حوله بما يحمله من كنوز عظيمة، وهي أحاديث النبي، وقد أسدى للأمة خيرًا عظيمًا بنقله هذا الكمّ الضخم والكبير من أحاديث النبي.
ومن ذلك أنه مر بسوق المدينة، فوقف عليها فقال: يا أهل السوق، ما أعجزكم! قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: ذاك ميراث رسول الله يقسَّم، وأنتم ها هنا لا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه. قالوا: وأين هو؟ قال: في المسجد. فخرجوا سراعًا إلى المسجد، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم: ما لكم؟ قالوا: يا أبا هريرة، فقد أتينا المسجد فدخلنا فلم نرَ فيه شيئًا يُقسّم. فقال لهم أبو هريرة: أما رأيتم في المسجد أحدًا؟ قالوا: بلى، رأينا قومًا يصلون، وقومًا يقرءون القرآن، وقومًا يتذاكرون الحلال والحرام. فقال لهم أبو هريرة: ويحكم! فذاك ميراث محمد.
وقد روى عنه الكثير من الصحابة والتابعين، ووصل عددهم إلى ما يزيد على أربعمائة، وورد عنه في الكتب التسعة (البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبي داود وابن ماجه وأحمد ومالك والدارمي) ما يزيد على ثمانية آلاف وسبعمائة حديثٍ.
لما حضرت أبا هريرة الوفاةُ بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: “بُعد المفازة، وقلة الزاد، وعقبة كئود المهبط منها إلى الجنة أو النار”. وقد تُوُفِّي أبو هريرة بالمدينة سنة سبع وخمسين، وله ثمانٍ وسبعون.


