زايو سيتي.نت – سعيد قدوري
عرفت مدينة زايو توسعا عمرانيا كبيرا، قابله نمو ديموغرافي فاق التوقعات، حيث يصل عدد سكانها 35.806 نسمة ، غير أن هذا النمو لم يصاحبه تخطيط علمي عقلاني يمكن معه التغلب على مشاكل التوسع العمراني والديموغرافي.
ظلت زايو رهينة العشوائية في كل شيء، فلا مخطط عمراني يحل مشكل السكن، ولا استثمارات تمتص بطالة الشباب المتزايدة، ولا محطات نقل تفك العزلة عن المدينة، ناهيك عن باقي الخدمات الغائبة عن أهل زايو وهو موضوع لن نتطرق له اليوم.
وطيلة فترة العشوائية هذه، لجأ شباب زايو لبدائل أخرى لعلها تقيهم شر البطالة المستشري في أوساط المدينة، ولم يكن من سبيل أمامهم سوى اللجوء إلى ما لجأ إليه شباب منطقة بكاملها، فكان التهريب المعيشي وسيلة لسد رمق العيش، وإعالة أسر ترزح تحت الفقر والحاجة.
وبجانب التهريب، كان قطاع البناء ملجأ آخر للباحثين عن فرص عمل، فهو الذي امتص يد عاملة قادمة من مناطق مجاورة، فساهمت مع أبناء زايو في بناء أحياء بكاملها، ولنا في حي سوكرافور خير مثال على ما نقول.
رشيد شاب يقطن حي سوكرافور، عمل لمدة 8 سنوات تاجرا في السلع المستقدمة من مليلية المحتلة، أصبح الآن بدون عمل، قابلته زايوسيتي بمنزله، فكان تصريحه صادما:”كنت أشتغل كتاجر سلع مستقدمة من مليلية، غير أنني ذات صباح بينما عبرت السياج الوهمي واتجهت من بني أنصار إلى الناظور، صادفتني سيارة للجمارك فصادرت كل سلعتي والسيارة، وعملت بعدها على اقتراض مبلغ مالي فاشتريت سيارة أخرى، غير أنني وبعد ثلاث أيام عمل جرى لي ما جرى في المرة السابقة فصودرت سلعتي وسيارتي، لأجد نفسي بدون عمل والديون تحاصرني”.
رشيد متزوج وأب لثلاثة أطفال، يقطن رفقة والدته المصابة بمرض القصور الكلوي، أصبح يعيش الألم، أما أمه والتي كانت تذهب ثلاث مرات في الأسبوع للناظور قصد تلقي حصص التصفية الكلوية، فقد اقتصرت اليوم على حصة واحدة في الأسبوع مما يعرض حياتها للخطر وهي التي أخذ منها المرض الكثير من قوتها.
حالة رشيد ليست الوحيدة، فلا يكفي مقال لسردها بكاملها، إذ هناك أحياء بزايو، ما أن تقصد بيتا بها حتى تقرأ حروف الأزمة والمعاناة في وجوه شبابها، ولكل قصة مع رجال الجمارك، حتى صاروا يشبهونهم بقطاع الطرق.
الأزمة لا تبرح بيتا بالأحياء الهامشية بزايو، والحديث عنها يتسع يوما بعد يوم، ويصبح المستقبل مظلما بلا أمل يلوح في الأفق، فهذا محمد المتزوج سنتين قبل اليوم، والأب لطفل يبلغ سنة من العمر يصرح بغضب قائلا: “كلشي لحرايفية راهم ياكلوا راسمال ديالهم، نهار تكمل فلوسهم ماعرافتش واش غادي يطرا”.
ويبدو أن الأمر يسير عكس ما يشتهيه الشباب بزايو، فبعد تضييق الخناق من قبل الجمارك على تجارة الحدود الوهمية مع مليلية، يأتي الدور على الجارة الجزائر، لتمنع تدفق الوقود المهرب إلى المغرب الشرقي، وهو الذي امتص جحافل الشباب من أبناء زايو لعقود طويلة، فحلت الكارثة، وأصبح الشباب عرضة للضياع والتيه في مدينة تفتقد لأبسط شروط العيش الكريم.
وفي استطلاع ميداني بحي سوكرافور، وجدت زايوسيتي.نت أن من بين كل 10 شباب يبلغ عمرهم بين 20 و36 سنة، اشتغل 5 بالوقود الجزائري المهرب كموزعين أو كبائعين بالتقسيط، ولكم أن تتصوروا حجم الضرر الذي لحقهم اليوم، وما أصبحوا يعيشونه من كوابيس واقعية بشكل يومي من جراء منع الجزائر لسكانها الغربيين من بيع الوقود لأشقائهم المغاربة.
“أرجو الله أن يغير الأحوال إلى الأفضل، لم أعد أستطيع الخروج من البيت، فالديون تحاصرني، وأبنائي بدون عمل، حتى أن واحدا منهم أبطل مشروع زواجه لعدم قدرته على ذلك” يقول شاب والدموع بعينيه.
أمثال المختار كثر بزايو، ممن اعتادوا الذهاب لمليلية، ولم يعودوا اليوم قادرين على توفير مبلغ فنجان قهوة بأحد المقاهي، بل أن منهم من اختار الاعتكاف بالبيت لشهور طويلة، حيث يستحيي من الخروج أمام الملأ، وهو الذي كان ذا شأن وقيمة داخل أسرته وبين جيرانه.
ليس التضييق على تجارة الحدود وحده من ساهم في ما تعيشه زايو من بطالة وسط الشباب، فحتى انعدام الإستثمار داخل المدينة.
وأمام كل هذا، يبرز مشكل كبير، فزايو بدون قطاعات إنتاجية، والقطاع المنتج الوحيد هو معمل السكر، غير أنه يعيش في واد والساكنة في واد آخر، أما الاستثمار فلا يجد سبيلا له بزايو، وكأن المدينة بدون يد عاملة.
فغياب بدائل حقيقية لتجارة الحدود أفرز واقعا سوسيواقتصاديا مريرا، وأنتج أزمة اجتماعية مركبة بزايو، فصار ضروريا أن يهب المسؤولون لنجدة شباب مدينة أصبحوا عرضة للضياع والتشرد.
إن الواقع يفرض العمل على إيجاد حلول حقيقية تمتص بطالة شباب مدينة زايو، كما يفرض على من تقلدوا مسؤولية زايو أن يكونوا في حجم التحدي، فالمدينة لا تحتمل مسؤولين لا يجيدون غير الضغط على الأختام، بل مسؤولين بحيوية كبيرة يبحثون عن الحلول ويجلبون الاستثمار.

